Tuesday, June 16, 2009

ثقافة مقاومة التغيير : الجذور والأسباب

حين نعيش فى عالم أصبح الثابت الوحيد فيه هو التغيير، لم يعد من المقبول أن نسير على مهل نتأمل ونتفرج بينما مسرح الأحداث يموج بالحركة والتفاعل إما فى شكل ثورات إجتماعية وثقافية وسياسية واقتصادية عنيفة تهدف إلى تغييرات ضخمة سريعة فى وقت قصير، أو تغيير على مهل يلعب على التطور الطبيعى للأشياء بسياسة الخطوة خطوة . المشكلة التى نواجهها مثل غيرنا أن كل تغيير لابد وأن يصاحبه مقاومة مهما كان نوع التغيير وحجمه ونطاقه وتأثيره .. مقاومة تتساوى مع قوة التغيير ولكنها تختلف معه فى الإتجاه ، أى تقف فى وجه التغيير.. المشكة الأكبر أننا فى مصر نقاوم بشراسة أى نوع من التغيير ، وأحيانا دون أن نناقش آثاره ولا العائد من ورائه .. ولعل كوننا أقدم دولة منظمة فى التاريخ منذ أكثر من سبعة آلاف سنة تعتمد على حكومة مركزية تتخذ كل القرارات دون آليات تتيح المشاركة الشعبية ولايتوافر فيها عنصر الشفافية قد أدى إلى "إعتياد" التواكل والإعتمادية على الحكومات المتعاقبة والتى قد تفضل بقاء الحال على ماهو عليه دون تغيير.
وعلى الرغم من أى عملية تغيير بنبغى أن يكون هدفها الأساسى تغيير وضع قائم إلى وضع مستقبلى يحقق تطورا إلى الأحسن وتحقيق أهداف واضحة ودقيقة لبلوغ تلك الأهداف إلا أن مقاومة التغيير سلوك متوقع فى كل الأحوال يتلازم مع أى عملية تغيير، ويكون أساسا بدافع الخوف من المجهول الذى لو زاد عن الحد المعقول فإنه قد يصيب الإرادة فى التجريب بالعجز أو بالشلل .. وهناك أسباب أخرى للمقاومة لعل أبرزها مايلى :
· إنعدام ثقافة المغامرة والركون إلى أنماط سلوكية معتادة تأتى بنتائج مضمونة تشجع على التكرار دون مجهود إضافى لإعمال العقل أو لتجريب طرق جديدة واستكشاف روافد للعقل لم تكن مطروقة من قبل .. ويصاحب تلك الثقافة خوف من المجهول ومن نتائج ليست مؤكدة ولا مضمونة تدفع إلى التردد وعدم الإقدام أو حتى محاولة إحداث التغيير.
· تهديد المصالح الشخصية لبعض من سيشملهم التغيير .. وقد يكون ذلك دخلا ثابتا ، أو سلطة
ممنوحة ، أو حرية فى الحركة ، أو مكانة نحاول الحفاظ عليها.. وطبيعى بعد ذلك أن من سيتأثر سلبا من جراء التغيير سوف يقاوم حدوثه إما بالمجاهرة وتكوين التحالفات وقوى الضغط للتأثير على صاحب القرار ، أو بالمقاومة السلبية – وهى أخطر – لإعاقة التغيير ووضع العقبات فى طريق من يقومون على تنفيذه .
· الشعور بعدم الأمان ويصاحبه فى معظم الأحيان عدم ثقة فى قيادات التغيير نتيجة لتجارب سابقة ووعود لم تتحقق ، أو إجراءات وقرارات لم يراعى فيها مصلحة الغالبية من الناس أو جاءت على عكس توقعاتهم .. والثقة في متخذ القرار لاتكون أبدا وليدة اللحظة وإنما تبنى على تجارب سابقة على امتداد فترة زمنية تتيح للناس دوام التعامل مع بعضهم البعض ومن ثم المعرفة على أساس وتجارب واقعية .
· نقص المعلومات وعدم الشفافية فى طرح أسباب التغيير وتأثيره ونتائجه يعد من الأسباب التى تزيد المقاومة للتغيير لإن نقص المعلومات يترك المجال واسعا للتخمين وللتفسير الشخصى الذى قد لايكون دقيقا بالضرورة بل يلبى احتياجات شخصية قد لايستطيع المرء أن يحققها فى الواقع فيستعيض عنها بتخيل يظل يجتره ويستعيده فى خياله حتى يتحول إلى يقين يتحكم فى السلوك ويوجهه إلى ناحية المقاومة دون أن تتوافر أسباب قوية لذلك درءا لمخاطر غير محسوبة ترسخت فى يقين الشخص .
· عدم توافر الإرادة للتغيير ، وذلك نابع من خوف الشخص من " تكاليف " التغيير ومن قدرته على الوفاء بتلك التكاليف ومن ثم يركن إلى سلوك قديم اعتاد عليه وجربه ولايحتاج منه إلى اى اختبار يؤكد له ذلك .. وقد تتوافر الإرادة ولكن عدم الإقتناع بضرورة التغيير قد تكون هى العائق ، ولذلك كان لابد من توافر اسباب قوية يقتنع بها من يشملهم التغييروكذلك إبراز المزايا التى سوف تعود عليهم منه لضمان تأييدهم وحماسهم للمشاركة وأداء الأدوار التى سوف تسند إليهم فى عملية التغيير.
· إنعدام روح الفريق والعمل الجماعى وهما دعامتان تحتاجهما أى عملية تغيير لتحقيق "الإلتزام " والتكامل بين أعضاء الفريق لكى يعزفوا معا مثل " أوركسترا " متناغم يكمل العازفون فيه بعضهم بعضا بدلا من العزف المنفرد فيتحول الأمر إلى " دفاع أنانى " يخدم مصالح شخصية أو كسب ذاتى لايؤدى بالضرورة إلى تطور إيجابى بالنسبة للغالبية وليس لعدد محدود من الناس .. ويساعد على ذلك وجود من نسميهم " وسطاء التغيير " الذين يقتنعون بأهداف التغيير ويساعدون قيادات التغيير على إحداثه بما لهم من تأثير على المحيطين بهم .
· وأخيرا عدم توافر القيادات المؤثرة فى عملية التغيير ، والتى قد لاتكون قادرة على إقناع الآخرين والتأثير فيهم لكى يتحركوا نحو التغيير ويقبلوا عليه ، أو قيادات تتجاهل دورها فى القيادة بالقدوة لمزيد من الإقناع ، أو تفتقد إلى مهارات التحفيز لكى تزيد من حماس الناس أو المتابعة لتحقيق أهداف التغيير، أو إتخاذ القرارات التصحيحية والتى تكون لازمة أحيانا لتعديل المسار نحو تحقيق أهداف التغيير.

فن التواصل الجماهيرى : لقطات من خطاب "أوباما"

لن أتطرق إلى محتوى خطاب "أوباما" فقد تناوله قبلى العديد من الكتاب بين مؤيد ومعارض ومحايد، ولكنى سوف أقصر تحليلى للخطاب على علم وفن الإتصال واستغلالهما فى التأثير على الجماهير بالإستخادام الأمثل للأدوات التى تساعد على توصيل محتوى الرسالة ووضوحها والتأكد من فهمها ومن ثم تبنى الأفكار التى وردت بها. وأنا أفضل أن أقول "علم التواصل" بدلا من الإتصال للتأكيد على أننا بصدد عملية "تصنيع" لرسالة ما لابد وأن تصاغ فى شكل يجعل المتلقى يستوعب المعنى بدقة ، وأن تتحقق أهداف تلك الرسالة باستخدام وسائل التواصل المناسبة بمهارة وحرفية ، ثم يأتى دور الجاذبية الشخصية التى تطبع عملية التواصل بنمط الإتصال الذى يميز كل منا. تعالوا نتحدث عن عملية التواصل بين "أوباما" والعالم ونطبق بأمثلة من واقع الخطاب الفريد الذى ألقاه من القاهرة :
· عملية التواصل الناجحة تتطلب معرفة تامة بخلفية المتلقى وثقافته والقيم التى تحكم عقليته وتوقعاته ممن يلقى الخطاب ، ومن ثم تصاغ الرسالة لكى تخاطب هذا العقل وتؤثر فيه .. وكان التحدى الذى واجهه الرئيس الأمريكى هو تعدد ثقافات المتلقين واهتماماتهم وتوقعاتهم وارتباط تلك التوقعات " بصورة ذهنية " سلبية للدور الأمريكى فى المنطقة التى يتم التواصل معها والرغبة فى التأثير عليها لتغيير تلك الصورة .. لذلك كان لابد من الإستعانة بخبراء من المنطقة واستشاريين يفهمون جيدا تلك الأمور بما فى ذلك ثوابت الأديان الثلاثة والمشاكل السياسية المتفجرة ، وأن يشترك هؤلاء الخبراء مع فريق الكتاب الذين يتولون مهمة صياغة خطابات الرئيس .. وقد اتضح ذلك من استخدام ألفاظ لها مدلولات ثقافية إيجابية مستمدة من الأديان الثلاثة التى ارتبط نزولها بالمكان الذى سوف يلقى منه الخطاب وكذلك من ردود الفعل الإيجابية أثناء إلقاء الخطاب تصفيقا أو بعد الخطاب تحليلا .
· إختيار الوسيلة المناسبة والمكان المناسب لكى تصل الرسالة بأقصى قدر من الفعالية للمستهدفين من الخطاب والرمز الذى سوف يرتبط ذهنيا بالخطاب والمعانى التى وردت به .. كان هناك خيارات عدة ولكن الرأى استقر على أعرق جامعة فى المنطقة فيصبح المعنى هو الحيدة وعدم التحيز لعرق أو جنس أو دين لو تم اختيار مكان يعد رمزا لآى منها ، وساعد اختيار جامعة القاهرة أيضا فى الإيحاء المقصود بأن الخطاب للنخبة المثقفة وقادة الرأى واصحاب الفكر الليبرالى الحر بما يسمح للرئيس أن يقول مايريد بصراحة حتى لو اختلف فى رؤاه مع بعض منهم ، وعلى الرغم من ذلك صيغ الخطاب بلغة بسيطة سهلة وسعت دائرة المستهدفين لتشمل رجل الشارع فى مصر والعالم العربى كله وطبعا الغرب وأوروبا.
· التنوع فى أسلوب الإلقاء كان أداة حاسمة فى فعالية الرسالة وتأثيرها على المستمعين ممن حضروا الخطاب أو تابعوه فى أجهزة الإعلام المرئية ، فالرئيس يعلو صوته حين يريد أن يؤكد على تبنيه لموقف أو قضية ويخفت حين يتحدث عن الدين والسلام أو التحية وقاطع حاسم لأيصال رسالة تطمئن طرفا من الأطراف أن أمريكا لم ولن تغير موقفها .. ولنفس الأسباب نجد أن سرعة إلقاء الخطاب أيضا قد تفاوتت بين السرعة والتأنى بل والصمت لثوان أحيانا للتأكد من أن المعنى الذى يقصده قد وصل وأن رد الفعل أو التأثير أو الهدف مما قيل قد تحقق.
· يأتى بعد ذلك لغة الجسد والطريقة التى يقف بها المتحدث والألوان التى يرتديها فتوحى بالمعانى مثل لون ربطة العنق ذات اللون الأزرق والذى كان واضحا حسن تدريب واستيعاب "أوباما" لأهميتها نظرا للتدريب الجيد من كثرة الخطابات التى ألقاها منذ حملاته الإنتخابية المتعددة نائبا فى مجلس الشيوخ ثم رئيسا ، بالإضافة إلى كونه محاميا اعتاد على الإعداد الجيد لدفاعه ومواجهة المحكمة والمحلفين بدفوعاته وتوجيه انتباههم لمناطق تضمن له التأثير عليهم وعلى أحكامهم .. كان "أوباما" يتحرك بسهولة شديدة على المنبر الذى ألقى منه خطابه ، وحريصا على ألا ينظر فقط إلى الأمام مركزا على من يجلسون وسط القاعة وإنما يغطى بعينيه جانبى القاعة ولاينسى وهو يفعل ذلك النظر كل حين إلى أعلى حيث كان يجلس مجموعات من المدعوين لكى يؤكد أنه يخاطب الجميع وأنه لايخص أحدا بما يقول .
· وأخيرا يأتى دور التكنولوجيا التى اعتاد الرؤساء الأمريكيين كلهم على استغلالها لكى يظهروا كما لو كانوا يرتجلون خطاباتهم وهم فى الواقع يلتزمون بالنص المكتوب لهم التزاما تاما بعد مراجعته والتمرن عليه .. الشاشات الشفافة المثبتة أعلى كاميرات التصوير والتى لايراها سوى من يقف على المسرح تعرض الخطاب سطرا سطرا طبقا لسرعة الإلقاء وتتوقف حين يتوقف الكلام وتكون فى مستوى عين من يلقى الخطاب فلا يظهر أنه يقرأ وإنما يتحرك بصورة طبيعية مستعرضا بلاغته اللفظية وروح الفكاهة والتساؤل الذى يشرك به المستعمين فى رأى أو موضوع وكلها مكتوبة أمامه على شاشات "التلى سين".