Tuesday, November 03, 2009

تطوير الخطاب الدينى مرورا بالأزهر وجامعته

لست أحاول هنا أن أتناول قضية النقاب ومااثير حولها فأنا لاأعتبر أن القضية أن نثبت مشروعيته من عدمه وإنما فى حرية الناس وحرية العقيدة دون جبر أو إلزام .. أحاول هنا أن أنبه إلى استغراقنا فى مشاكل فرعية تستنفذ ماتبقى من طاقة قومية كان يجب أن نوفرها لما هو أهم ولحل العديد من المشاكل المعقدة التى نعانى منها والتى لن يحلها إرتداء النقاب أو خلعه ويستحيل أن تشغل المؤسسة الدينية نفسها بها عن أمور أخرى من صحيح الدين وليست محل خلاف بين الأمة والتى لو تغير الخطاب الدينى يمكن أن تتحول إلى طاقة رهيبة على العمل والإنتاج وحسن المعاملة بين الناس والنهوض بالمجتمع كله وتنمية قدراته .. وطبيعى ألا يعنينى الحديث عن أشخاص وأنا اثير تلك القضية الهامة حتى لو كان شخص شيخ الأزهر بكل مؤسساته الدينية والعلمية ومنها جامعة الأزهر ، فالمقصود مرة ثانية هو أن ندق ناقوس الخطر لما صار إليه الخطاب الدينى فى ظل إنحسار دور الأزهر وجامعته ومؤسساته التى كان يمكن أن تقوم بدور أكثر فعالية ينتظره الشعب المصرى منها اليوم أكثر من اى وقت مضى .
لايختلف أحد على أن دور الأزهر قد تضاءل وزاد ضعفا بطريقة ملحوظة خلال العقد الماضى، ولاينبغى إطلاقا أن يرهبنا شخص من يتولى مشيخة الأزهر عن أن نقول كلمة حق وأن نبدى رأينا موضوعيا لكى تقوم تلك المؤسسة العريقة بدورها مهما كان نوع التغيير المطلوب .. وإذا كان الحوار الذى دار بين شيخ الأزهر وطفلة فى الحادية عشرة من عمرها فى الصف السادس الإبتدائى قد دل على شيئ فإنما يدعم وجهة نظرنا فى ضرورة التدخل السريع كما تقدم لكى يستعيد الأزهر مكانه ومكانته ويعود له تأثيره الذى كان .. وبعد أن شاهدت واستمعت كغيرى للأحاديث التى أجريب مع شيخ الأزهرحول تلك الواقعة من محطات ومقدمى برامج موضوعيين لهم وزنهم واحترامهم ، فإنى فى تحليلى هنا سوف ألتزم بما شاهدته وسمعته حتى لايدعى أحد بغير الحقيقة التى سوف أبنى حولها دعوتى الصارخة :
• لاأشك لحظة فى أن اعتراض شيخ الأزهر على ارتداء طفلة للنقاب داخل فصل دراسى وسط زميلاتها له مايبرره منطقيا ، ولكن الأسلوب الذى اتبع لايمكن أن يقره أحد حين يدخل رجل بمكانته فى جدل حاد مع الطفلة وينفعل عليها ويرد على لسانه عبارات صادمة أقر ببعضها فى أحاديثه بل وزاد عليها .. لم يكن فضيلته فى معرض الحكم على مدى علمه ومرجعيته الدينية ، ولم يتحدى أحد مكانته ورغبته فى ايضاح الأمر وحكم الشرع ولو كان الأمر قد تم " بالحكمة والموعظة الحسنة " لكان مثالا جميلا لسلوك إسلامى ونموذجا للدعاة الذين تمتلئ بهم مساجدنا ويظنون أنهم يملكون الحكمة المطلقة ويحتكرون توزيعها بين الناس بأساليب التخويف والقهر والصراخ فلا حال إنصلح ولاسلوك تغير.. ينبغى على الشيخ ان يراجع أسلوبه فى التخاطب – والجماهيرى منه على وجه الخصوص - لكى يتوافق مع كرامة المنصب الذى يشغله .
• الخلاف الحاد بين شيخ الأزهر وهيئة علمائه حول كثير من القضايا والمسائل والفتاوى ينذر بشر مستطير ، ويزلزل الأرض تحت مكانة الأزهر فى العالم العربى والإسلامى ويثير البلبلة بين الناس ويفتح الباب على مصراعيه لمدعى العلم ومفتيي الفضائيات أن يزيدوا شك الناس فى دينهم ويجعلهم فريسة سهلة للمتطرفين الذين اصبحوا شيعا وفرقا يأكل بعضها بعضا وتجاهد لكى تنسف أمن المجتمع وأمانه بأفكار مدمرة وأساليب متأخرة ومعارك تستهدف قيم التسامح والمؤاخاة فى مجتمع يشتعل حاليا بالخلافات وببذور فتنة يرويها ويرعاها اصحاب المصلحة فى إشعال فتنة طائفية لاتبقى ولاتذر.. وحدة الرأى فى الأزهر أمر بالغ الأهمية ، ولكنها لاتعنى وحدة رأى شيخ الأزهر بل إجماع علمائه على الأمور الدينية التى تصلح أحوال الناس .. أقول ذلك لأن الشيخ الجليل صرح بحدة فى الفضائيات بأنه سوف يجمع المجلس الأعلى للأزهر لكى يتخذ قرارا يمنع دخول المنتقبات إلى مدارس ومعاهد وكليات الأزهر قبل أن يجتمع المجلس ويقرر ذلك.
• جامعة الأزهر التى كانت الأمل فى تخريج دعاة يؤمنون بالوسطية وينتشرون فى كل بقاع الأرض برسالة الإسلام السمح الذى يعترف بكل الأديان السماوية ويتعايش معها فى سلام ، وتستقبل مبعوثين من أكثر من مائة دولة أسلامية لكى تعدهم كدعاة مستنيرين يسهمون فى نشر تلك المبادئ السماوية السامية .. هذه الجامعة العريقة يحكمها فكر جامد غير متطور لايلاحق أيقاع العصر ، ولا يسعى لتطوير برامجه ولا مقرراته لكى تتناول دور الدين فى تناول مشاكل المجتمع بمفهوم عصرى لايخل بثوابت الدين ولكنه يتصدى لكل مايستجد من تيارات مدمرة .. خريجو الأزهر ينضمون إلى طابور الدعاة التقليديين الذين يملئون الساحة حاليا موظفين فى وزارة الأوقاف يحفظون نصوصا قديمة لخطب عفا عليها الزمن لاعلاقة بينها وبين التعاملات بين الناس ولا المشاكل العصرية التى يعانون منها.. خريجو الأزهر الذين نبعث بهم للخارج لايجيدون أى لغة أجنبية على الرغم من وجود كلية للغات والترجمة تابعة للجامعة .. الكتب التى يشتريها الطلاب لم يتغير فيها حرف منذ أكثر من ربع قرن .. قلعة حصينة مغلقة الأبواب فى وجه أى تيار إصلاحى يهدد المستفيدين من بقاء الحال على ماهو عليه.. ولكى اثبت كلامى سوف أذكر حادثة كنت شاهدا عليها : توجد على ناصية جامعة الأزهر لافتة تشير إلى موقع الجامعة باللغتين العربية والإنجليزية وهناك خطأ بشع فى الترجمة الإنجليزية حيث كتبت كلمة جامعة خطأ هكذا UNIVERISTY بعد كلمة الأزهر .. المصيبة أننى نبهت أحد نواب رئيس الجامعة منذ أكثر من عامين فى اجتماع ضم كل عمداء كليات الجامعة إلى هذا الخطأ وضرورة إزالة اللافتة واستبدالها ، ولكن اللافتة لاتزال على حالها فى مكانها تخرج لسانها لأى محاولة لاختراق الجامعة بأى مشروعات إصلاحية تفتت الجمود الذى أصاب الجامعة بالشيخوخة المبكرة حتى لو كان استبدال لافتة تسيئ إلى كل من يقرأها ولايحرك ساكنا.

إهدار الوقت .. والفرص الضائعة

أنظر حولى فإرى الحياة تتبدد والناس تتصرف كما لو كان العمر مشوارا نحدد طوله ونقرر متى وكيف نقطعه .. ألغى الناس عنصر الوقت من حساباتهم وأصبحوا يرتدون الساعات استكمالا للمظهر العام وليس لحساب الوقت والإلتزام به .. أليست نكتة سخيفة أن تحاصرنا أدوات ضبط الوقت فى كل مكان نذهب إليه ولكننا نتجاهلها ولانلتفت إليها ؟ ساعات الحائط فى كل مكان ، أجهزة المحمول تظهر الوقت على الشاشة ، والساعات أشكال والوان نرتديها حول معاصمنا ولكننا نصر فى كل مانفعل أن نؤكد على عدم فائدتها وضآلة قيمتها.. حجم الفرص الضائعة عندنا يساوى حجم عدم تنظيم الوقت واحترامه ، والخسارة الناتجة عن ذلك جسيمة وهائلة على المستوى الشخصى والمستوى القومى والإقليمى .. حسن إدارة الوقت ثقافة نفتقدها ، أما "قتل الوقت" فصناعة مصرية تحتل مكانا مرموقا فى موروثاتنا الثقافية على كل مستويات وشرائح المجتمع ، وتعالوا نأخذ بعض الأمثلة على تفننا فى إهدار الوقت وأهم الأسباب التى تشجع على ذلك :
• أصبنا بما يمكن أن نسميه "شهوة الكلام" حتى لأدهش من الذى يستمع فى مصر. خمسة وخمسين مليونا من المصريين يحملون تليفونا يصاحبهم فى أى وقت وفى أى مكان بصورة مرضية توحى باخترع يسمح بأن يصبح المحمول جزءا من الأذن حتى لايضطر أحد إلى تحمل عبء فتح وإغلاق التليفون أو إعادته إلى جيبه أو جرابه حين الرد على مكالمة أو الإنتهاء منها .. شعب يصرف 36 مليار على الكلام كل سنة ، ولو حسبنا العائد على الدخل القومى من وراء ذلك فلن يتجاوز 10% والباقى يدخل فى جيوب شركات المحمول الثلاثة بالإضافة إلى مايصرف على التليفونات الأرضية .. لايمكن أن نسمى مايحدث "صناعة الإتصالات" بل نسميها وبحق "صناعة الكلام" ويحق لنا أن نسجل الإسم وحق الإختراع إذا لزم الأمر.
• المرور أصبح وجعا قوميا مزمنا يسيطر على المراكز العصبية لمصر ويصيبها بالشلل فى معظم الأحيان ، وبحسبة بسيطة للوقت الضائع فى الذهاب إلى العمل والعودة أو فى حضور اجتماع أو قضاء الحاجات اليومية سوف نكتشف أننا نضيع ربع حياتنا على الأقل داخل وسائل المواصلات المختلفة أو داخل سياراتنا على حساب الإنتاج وزيادة الناتج القومى .. بل إن الأخطر من ذلك أننا نحتاج إلى مزيد من الوقت لكى نعالج توابع التلوث الذى يحدثه عادم تلك السيارات بأنواعها المختلفة وموديلاتها القديمة وحالتها المتردية ، وسواء اقعدنا المرض فى المنزل أو فى المستشفى فإن النتيجة المؤكدة أننا نضيع مزيدا من الوقت حين نؤجل الحلول الجذرية للمشاكل فتصبح مزمنة أو مستعصية تحتاج لمزيد من الوقت للتصدى لها .. أكثر من 50% من الفاقد فى الناتج القومى الإجمالى يرتبط بتصلب شرايين الشارع المصرى بصورة تجعل العاصمة تعيش على جهاز التنفس الصناعى .
• قبول أكثر من عمل نعلم يقينا أننا لن نجد الوقت لأدائها فى قطاع عريض من كبار المسئولين بالدولة آفة أخرى تشكل مؤامرة على حسن إدارة الوقت عندنا ، فلا يمكن لمن يتقلد أكثر من منصب أو يكلف بأكثر من مهمة أن يتقن عمله فيها كلها لأنه ببساطة لايمكن أن يجد الوقت الكافى لذلك .. الخروج من هذا المأزق لايكون إلا بتأجيل التعامل مع المشكلات والتسويف وعدم إتخاذ القرارات اللازمة فى الوقت المناسب ، والنتيجة ضياع الوقت مرتين : مرة فى تأخير القرار ، ومرة فى التعامل مع تبعات القرار المؤجل ومحاولة حل المشكلات المترتبة على ذلك.. وهناك كثير من المشكلات تتفاقم وتزداد تعقيدا نتيجة لغياب المسئول أو من يملك اتخاذ القرار وتكون النتيجة فقدان ثقة الناس فى الحل وتشككهم فى نوايا المسئول "المنشغل" عنهم لاسيما إذا تعلق الأمر بتطوير أو إصلاح .
• عشق الإجتماعات فى مؤسساتنا أكبر مضيعة للوقت حين تتحول تلك الإجتماعات إلى "مكلمات" وفرصة للفضفضة أو لتبادل الإتهامات أحيانا .. وكثير من اجتماعات العمل لايحدد لها جدول أعمال ولاإطار زمنى تبدأ وتنتهى عنده ، وحتى لو كان هناك جدول أعمال قلامانع من الخروج عليه للأعلى صوتا الذى يريد أن يفرض إرادته على الآخرين .. الإجتماعات مالم تنتهى بالإتفاق على شيئ وتوزع التكليفات ويتم متابعة تنفيذها تتحول إلى لقاءات نميمة أو مناسبة اجتماعية للدردشة .. أكثر من نصف الوقت المخصص للعمل يضيع فى اجتماعات لالزوم لها لمناقشة موضوعات روتينية بسيطة يمكن التعامل معها واتخاذ قرارات سريعة بشأنها دون إضاعة وقت فريق العمل الذى حضر الإجتماع .. الناس فى مصر يحسبون وقت الإجتماع بحساب الفرق بين وقت بدء الإجتماع وانتهائه ، ولكن الصحيح هو أن وقت أى إجتماع ينبغى أن يكون حاصل ضرب عدد الحاضرين فى الوقت الذى استغرقه الإجتماع.
السرد والتكرار والإستطراد ملامح تحدد نمط التواصل بيننا .. نحن حكائون بطبعنا والقصة التى نحكيها نعيدها أكثر من مرة بسيناريوهات وطرق مختلفة زيادة فى التأكد من أن الرسالة التى نريد أن تصل للطرف الآخر .. نفعل ذلك حتى فى أبسط الأمور التى لاتحتاج إلى شرح كثير والمقدمات فى كثير من الأحيان تكون أطول من الموضوع نفسه ودائما مايسرقنا الوقت فلا نجد وقتا كافيا لقول المفيد بعد أن استهلكنا الوقت فى المقدمة للموضوع والتمهيد له .. ويكفى مشاهدة أى برنامج حوارى لكى نتأكد من أن مايدور ليس "حوارا" بين طرفين وإنما عزف منفرد للمتكلم دون أن يلقى بالا للوقت ولا لحق الآخرين فى التعبير عن أرائهم.