Thursday, September 20, 2012

حديث مع البواب .. وأشياء أخرى


قصة البوابين فى مصر نموذج لسيطرة العواطف على العقل فى التعامل مع الناس، وحسن النوايا التى كثيرا ماتفسد اكثر مما تصلح وتخلق مشاكل كان يمكن تجنبها أو تزيدها تعقيدا بدلا من أن تجد لها حلولا .. أغرت وظيفة البواب فى مصر الملايين من أبناء الريف والصعيد والنوبة أن يهاجروا إلى عواصم الأقاليم فى مصر وبتركيز شديد على القاهرة والإسكندرية حيث توفر الوظيفة سكنا متواضعا للبواب وأسرته يتوافر بها المرافق الأساسية اللازمة ومرتب معقول وإكراميات من السكان أو الملاك فى المناسبات والأعياد تعينه على العيش .. المشكلة أن ضمان ذلك لايمثل حافزا للبواب أن ينظم حياته ويخطط لها على قدر إمكاناته، وإنما يظل يعيش بنفس نمط الحياة التى يميزها العشوائية والإتكالية، وبدلا من أن يمثل ماحققه من استقرار نسبى فى قيامه بعمله وإخلاصه فيه يركن إلى الكسل والتراخى حتى فيما يتقاضى عليه أجرا إضافيا نظير تنظيف السيارات مثلا .. ولأن الملاك منشغلون بامورهم الخاصة ويركزون – طبقا للثقافة العامة السائدة فى مصر – على مصالحهم فقط فإنهم يتجاوزون فى كثير من الأحيان عن محاسبة البوابين الذين لايؤدون العمل الذي يتقاضون عنه أجرا، وبالتدريج يصبح البواب جزءا هاما من الحياة اليومية لساكنى وملاك أى عقار ويبدأ فى التخطيط لتحقيق أقصى فائدة من وجوده معهم وتزداد مطالبه تدريجيا فى سكن أكبر بعد أن تضاعف عدد أبنائه ويضيق بهم المكان، ويبدأ فى بناء منزل بقريته لايستخدمه ويؤجره ، ويبدأ مشروع تاكسى بشراء سيارة قديمه ثم يغيرها بعد أن تتوافر له الإمكانات، ويشترى موبايل يدير به أعماله الخاصة بعد أن ينخرط فى سلك سمسرة العقارات والسيارات، ويختفى تدريجيا من العقار الذى يعمل به ويترك زوجته أو أحد ابنائه لقضاء حاجات السكان حتى يعتادوا على ذلك النمط الجديد من التعامل ويتقبلوه .. بمعنى آخر يصبح البواب بالتدريج هو "مدير العقار" بدلا من ملاكه أو ساكنيه ولايستطيع أحد أن يتخلص منه أو حتى استبداله بغيره دون مشاكل .. فى نقاش لى مع بواب العقار الذى يقع به مكتبى حول كثرة اختفائه طوال النهاروبالذات بعد أن  قام الملاك ببناء حجرة إضافيه فى جراج العقار لسيادته على نفقتهم الخاصة ففوجئت به يقول : " ستة أطفال وأنا وأمهم، هل يمكن أن يعيشوا فى حجرة واحدة؟ إحسبها سيادتك بقى."  ولم أتمالك نفسى طبعا من الرد قائلا: " واحسبها أنا ليه ؟ هو أنا اللى خلفتهم" .. بهذا المنطق من عشوائية التفكير تفسد النخبة بسطاء الناس والعوام بدلا من ترشيدهم وتوعيتهم واستغلال حاجاتهم لكى ينظموا حياتهم وربط المساعدات التى نقدمها لهم بالتزامهم فى أداء أعمالهم وإخلاصهم واحترامهم لتلك الأعمال.

حادث عابر أطلق العنان لتفكيرى وخاطب فضول الباحث داخلى لعقد مقارنة بين أسلوبنا فى الشرق فى تربية أبنائنا وبين أسلوب الآباء والأمهات فى الغرب، وانعكاس ذلك على تكوين شخصية الأبناء وعلاقتهم بوالديهم .. الوالدين فى الغرب يعودون الأطفال مبكرا على الإعتماد على أنفسهم، ويضعون حدودا واضحة لالتزاماتهم تجاههم من توفير الحاجات الأساسية من مأكل وملبس وتعليم حتى مرحلة معينة طبقا لإمكانات كل أسرة بالتعليم الجامعى مكلف جدا عندهم لمن لايحصلون على منح التفوق ، ويعدون أبناءهم لقبول وظائف بسيطة أثناء عطلاتهم الصيفية للصرف على أنفسهم وتوفير باقى احتياجاتهم او لتغطية نفقات الترفيه عن أنفسهم .. يصارح الأباء أبناءهم بحقيقة أمكاناتهم المادية ويعودون الأبناء على سماع كلمة "لا" لكثير من الطلبات التى يعجز الوالدين عن توفيرها، وبهذا ينشأ الأبناء ممتني شاكرين لوالديهم ماتحملوه من أجلهم ويستتبع ذلك بالضرورة إحساسهم أنه مدينين لهم بالفضل فى تربيتهم وتنشأتهم وتعليمهم فلا يتركون مناسبة تمر لمجاملتهم أو الإحتفال بهم أو شراء هدايا بسيطة تعبر عن هذا العرفان بالجميل.

أما نحن فنحيط أبناءنا بكل الرعاية والحماية فى كل مراحل عمرهم ، نخفى عنهم الأخبار السيئة، ونوفر لهم "كل" مايطمحون فى تنفيذه وأحيانا دون أن يطلبوا أو قبل أن يطلبوا، ونعطيهم إحساسا زائفا بأننا لانعجز عن توفير شيئ يريدونه مما يرفع سقف توقعاتهم باستمرار ويعطيهم إحساسا زائفا بأننا لم نقدم لهم كل ماكان يمكن أن نقدمه .. الآباء فى الشرق يتحولون إلى "مشروع" بالنسبة للأبناء ووسيلة لبلوغ أهدافهم فى الحياة ويعتبرونهم مايقدمه الآباء واجبا وضرورة ومن ثم فإنهم غير مدينين لهم بشيئ .. الأبناء عندنا يتعجلون الإستقلال ولكن على حساب الآباء ولايجدون غضاضة فى تحميلهم مسئولية تربية الأحفاد والعناية بهم ويظلون يلجأون إليهم فى حل مشكلاتهم المالية والإجتماعية حتى بعد أن يتزوجوا ويستقلوا بحياتهم، وحين يتحثون عن نجاحاتهم فنادرا مايأتى ذكر الوالدين كرافد من روافد المعرفة التى أدت إلى هذا النجاح .. ويبدا الأبناء بالتدريج فى نسيان المناسبات السعيدة فى حياة الوالدين أو حتى اختلاقها لتكريمهم وإدخال السعادة على قلوبهم ، وسوف لاأخوض هنا فى أمثلة لجحود الأبناء فذلك مجاله البحث العلمى وليس المقال الصحفى ولكنى أؤكد على الصدمة التى يمنى بها كثير من الآباء فى الشرق من جحود الأبناء ونكرانهم لفضل الآباء والأمهات وتجاهلهم للتعبير عن عرفانهم بالجميل حتى حين تتاح الفرص لذلك وتفاخرهم بأن ماحققوه من نجاحات فى حياتهم إنما مرده إلى مواهبهم وجهدهم الشخصى وحده.

 

Sunday, September 09, 2012

مشروعان يقرران مصير مصر


مصريان عظيمان بكل المقاييس يحمل كل منهما مشروعا يملأ كيانه ويمثل لكل منهما عقيدة ورسالة حياة، يعيش لأجل نشرها ويحارب من أجلها ويعبئ الجهود لإنجاحها.. هذان المشروعان لو توافرت لهما الامكانات لتنفيذها واكتملا جديران



بتغيير وجه الحياة في مصر ووضعها في مصاف الدول العظمي المؤثرة إقليميا وعالميا، وأعني بهما مشروع فاروق الباز لتنمية الصحراء الغربية بطول وادي النيل الذي يمكن أن ينقل مصر من مجتمع الندرة والفقر والحاجة إلي مجتمع الوفرة والرخاء، ومشروع جامعة زويل للعلوم الذي يقرر مصير مصر العلمي والثقافي وينقلها من دولة جاهلة تعيش دون مستوي الأمية بمعناها البدائي إلي دولة مخترعة ومجتمع علماء يطير بمصر بسرعة الصاروخ لتلحق بركب التقدم العلمي للقرن الحادي والعشرين.



< استمعت إلي ابن محافظتي فاروق الباز يتحدث عن مشروعه الذي نادي به منذ أكثر من عشرين عاما ولم يلتفت إليه أحد أو يعره اهتماما لأن النظام في ذلك الوقت لم يكن يعنيه الاستثمار في المستقبل البعيد بعدأن توافرت له سبل نهب كل الموارد الطبيعية لمصر بسهولة ودون تعب.. الرجل يتحدث عن تحويل صحراء مصر إلي جنة عرضها الأرض تكسوها الخضرة وتروي بالمياه الجوفية وتنشأ علي جانبي النيل صناعات تقوم علي الزراعة ويتوافر لمصر التي أصبح تعدادها حالياً أكثر من تسعين مليونا، رغيف العيش الذي تستورده وتستدين من أجله وتنتشر مجتمعات الزراع والمصنعين وتزدهر الخدمات الأساسية من مدارس وجامعات ومستشفيات ويزدهر معها حياة الناس وتختفي الباطلة أو يتضاءل حجمها كلما توسعنا في التنمية.. ولكن الرجل يحتاج إلي 24 مليار دولار لكي يكتمل مشروعه علي مراحل ولا يدري من أين يأتي بها ما لم تبادر الدولة ببدء الإعلان عن المشروع، وتوفير الحد الأدني الذي يضمن انطلاقه لكي تجتذب المستثمرين من العرب والأجانب فتكتمل مراحل المشروع.. ألا يستحق هذا المشروع أن يصبح هو «مشروع النهضة» الذي ينادي به رئيس الدولة الحالي ونعتبره مع مشروع تنمية سيناء صاروخي التنمية للنهوض بمصر؟ إني اقترح علي الحكومة أن تناقش المشروع بجدية وتطلع علي الدراسات التي تمت بشأنه حتي الآن، وأن تنشئ من أجله كيانا رسميا يختص بهذا المشروع دون غيره مثلما حدث في مشروع تنمية سيناء.. وأزيد علي اقتراحي أن ينشأ صندوق باسم المشروع يودع به كل مليم ننجح في استرداده من أموال مصر المنهوبة التي هربها مبارك وأسرته وعصابته من المحيطين به تخصص كلها لهذا المشروع دون غيره.. لو فعلنا ذلك وأعلنا عنه أؤكد أن المستثمرين سوف يتوافدون علي مصر ويتسابقون في ضخ الأموال اللازمة للمساهمة في المشروع، ويأتي بعد ذلك دور المساهمة الشعبية لكي يتملك المصريون أسهما في المشروع بقيمة إسمية جنيه للسهم الواحد حتي نضفي علي المشروع صفة القومية وبأنه مشروع مصري ولد من رحم الثورة المصرية.



< أما مشروع جامعة زويل الذي لن يهدأ بال فلول النظام السابق إلا بعد ان يفشلوه وينجحوا في أن يقول زويل ومجموعة العلماء المصريين الذين يمثلون نواة المشروع «حقي برقبتي»، لأن مصالح الفلول ترتبط ببقاء الشعب متخلفا جاهلا سهل القياد لا يطمح في التغيير ولا يتطلع إلي الأحسن أملا في أن تعود عصاباتهم لحكم مصر أو علي الأقل الحفاظ علي المزايا التي حصلوا عليها بالنهب والتزوير والترويع.



أول مشروع بحثي لجامعة زويل اقترحه عن يقين بأنه يعتبر من صميم التخطيط لمستقبل مصر وتطورها وتقدمها هو دراسة البصمات الوراثية لعينة تمثل كل المصريين وتحليل التغير الذي طرأ علي الشخصية المصرية في الآونة الأخيرة، من مبالغة في التكاسل وعدم الاكتراث والأنانية والانفلات الأخلاقي والانحراف السلوكي.. أعلم أن جزءا من كل ذلك يرتبط بالحالة الاقتصادية والتغيرات البيئية المجتمعية التي تصاحب ذلك، ولكني أعلم أيضا أن علم الجينات والبصمات الوراثية تقدم تقدما مذهلا يضيف إلي مفاهيمنا عن تأثير الجينات علي جسم وصحة الإنسان إلي صحته النفسية وسلوكه وعاداته بل ومواهبه وقدراته العقلية.. هناك تغييرات جذرية طرأت علي الشخصية المصرية وسلوك الناس في مصر وما لم نهتم باكتشاف أسبابها بدقة ومعالجتها فكل ما تتحدث عنه من نهضة ومشروعات تنموية وتطوير وتقدم يصبح من باب التمني وأحلام اليقظة.



البحث القومي الضخم الذي أقترحه لكي يفتتح به مشروع زويل اعتبره حجر الزاوية في تطور مصر وتقدمها، فالناس هم من سينفذون أي مشروع نهضوي لمصر وما لم نقض علي ضعفهم البدني والنفسي تظل المهام التي تسند إليهم أعباء يريدون التخلص منها بأسرع وقت، بدلا من أدائها عن يقين بفائدتها وعائدها والحرص علي بلوغ أقصي درجات الاتقان في أداء أدوارهم لتنفيذ تلك المهام.. وإذا أصاب العقول السأم ونال منها الإحباط واليأس فإنها تصدأ ويصبح من الصعب اكتشاف المواهب والاستفادة بها ومن ثم يتأخر البحث العلمي ومعه أي خطط مستقبلية علي خريطة النهضة بمصر.. كل أجهزة البحث العلمي في مصر سواء أكان مجال عملها البحوث الاجتماعية أم الاقتصادية أم الجنائية أم التعليمية والثقافية تستطيع أن تقوم بدور فاعل وبحوث تتكامل مع بعضها البعض لكي نخرج في النهاية بدراسة محترمة موثقة وعلمية ودقيقة لكل ما طرأ علي الشعب المصري خلال الستين عاما الماضية، وبتركيز علي الثلاثين عاما الأخيرة، كما يمكن أن يكون نموذجا تتهافت عليه مراكز البحوث بالخارج







اقرأ المقال الأصلي علي بوابة الوفد الاليكترونية الوفد - مشروعان يقرران مستقبل مصر!