Sunday, October 14, 2012

السادات ومبارك: حكاية شعب

حاولت - وأنا أشاهد فعاليات الاحتفال بذكري نصر أكتوبر - أن أتخيل مشاعر أشهر سجين في مصر كان من المفروض أن يكون علي رأس المكرمين لو كان قد صان النعمة التي منّ الله عليه بها ليخوض أشرف وأشرس حرب خاضتها مصر في تاريخها كله ثم ليصبح رئيساً لمصر خلفا لزعيم أسطوري زلزل كيان إسرائيل مرتين: مرة بالانتصار عليها في الحرب،
ومرة في الانتصار عليها بالسلام.. لابد وأن المحيطين بمبارك من أفراد أسرته المسجونين معه حاولوا أن يحجبوا عنه فعاليات الاحتفال ظنا منهم أن ذلك يكفي لكي ينسي دون أن يعوا حكمة أن يعيش حتي يري هذا اليوم الذي بذل كل ما يستطيع ونجح في أن يلغي الاحتفال به طوال فترة حكمه التي امتدت لثلاثة عقود حتي لا تطغي قصص البطولة الخرافية للأبطال الحقيقيين من ضباط وجنود مصر علي الوهج واللمعان المزيف الذي أحاط به نفسه تضليلا لشعب أطاح به و«بالشماشرجية» ممن كانت مهمتهم أن يحافظوا علي هذا اللمعان.
يمكن لي أن أكتب كتابا كاملا عن الحالة التي لابد وأن مبارك عاشها في هذا اليوم والهوان والذلة والمسكنة التي قاساها وهو يستعيد شريط الذكريات ويسترجع الأحداث ويقاسي الندم علي الفرص التي أضاعها لكي يحافظ علي مكانته ويحجز لنفسه صفحة في سجل التاريخ مع من تم تكريمهم من الأحياء والشهداء في ذلك اليوم العظيم.
السادات الذي كان يعرف حجم الإنجاز الذي تم كان يحلم قبل أن تناله يد الغدر أن ملحمة أكتوبر تصلح موضوعا لفيلم عالمي يخلد البطولات التي قضت علي أسطورة جيش الدفاع الإسرائيلي وأفقدت إسرائيل وأمريكا معا توازنهما.. ظن السادات يومها أن عمر الشريف يمكن أن يساعد في ذلك ولكنه نسي أن اليهود يسيطرون علي صناعة السينما والإعلام في هوليوود وأنهم لن يسمحوا مطلقا بتخليد انتصار ينال من سمعة إسرائيل ويحط من شأن جيشها، ولم يطل العمر بصاحب قرار الحرب لكي ينجز مشروعه وخلت الساحة بموته للمغامرين والهواة والمستثمرين في صناعة السينما دون أن يعنيهم تطويرها فأمطرونا بوابل من الأفلام السطحية التافهة التي لم يرتق أي منها إلي عظمة الحدث ويصوره بحرفية وتقنية عالية كما نشاهد في أفلام الحروب الأجنبية.. أفلام تركز علي مدافع تطلق نيرانا وطائرات تنسف أهدافا في الصحراء وجنود يجرون أو يصعدون خط بارليف بلا نظام ولقطات منفصلة لمعديات، ودبابات تجري، وعلم يرفع ثم ضباط يحيون بعضهم البعض ويتخلل كل هذا عبارات بلهاء عن المهمة وتنفيذها.
أنا أعتبر أن تلك الأفلام التي تجد لها موسما في احتفالات أكتوبر مثلما تجد المسلسلات التي أسهمت في تخلف الشعب المصري موسما لها في شهر رمضان إهانة للبطولات الأسطورية وخطة الحرب والخداع الاستراتيجي اللتين يدرسان في أشهر الأكاديميات العسكرية العالمية للضباط والجنود أصحاب تلك البطولات والتي تجعلك حين تسمعهم في برامج الكلام تريد أن تقف احتراما تكاد لا تصدق حجم البطولات التي يحكون عنها بتواضع شديد.. منع مبارك - بشهادة من عايشوا الحدث - عمل أي فيلم لا يركز علي الضربة الجوية، ومنع أي كتاب يتحدث عن حقيقة ما حدث، ومنع الأبطال الحقيقيين من التحدث إلي أجهزة الإعلام، وأقصي كل من كان يحظي بشعبية.
لعل مبارك قد أيقن بعد انتهاء فعاليات يوم الاحتفال واستعداده للنوم - إن استطاع ذلك - أن مسمار جزمة أي جندي مصري حارب في 73 أغلي من كل الأموال التي هربها والثروات التي جمعها وأسرته وخدامه.. هؤلاء الجنود ذهبوا إلي الجبهة لتحقيق النصر أو الشهادة، ألغوا كلمة المستحيل من قاموس اللغة، بعضهم حملوا زميلهم الجريح أكثر من 36 كيلو علي أكتافهم لكي يسعفوه، وكانوا يتلقون الرصاص في صدورهم لكي يحموا قادتهم ويقفوا في العراء بأسلحتهم أكثر مما يختفون في المخابئ لكي يصطادوا دبابات العدو وأفراده وطياراته.. عبروا قناة السويس ولم يكونوا يعلمون أن سلاح المهندسين المصري قد سد فتحات النابالم في خط بارليف وبعضه رفض أن يرتدي سترات النجاة المعالجة لكي توفر لهم بعض الحماية من الحريق، وأحدهم عبدالجواد سويلم فقد قدميه وذراعه وعينا من عينيه وعندما التقاه عبدالناصر طلب أن يعود للجبهة لكي يشترك بعد ذلك في حرب أكتوبر.
أما القادة فقد آثروا الجنود علي أنفسهم وكانوا دائما أمامهم يتسابقون معهم علي القيام بالمهام لكي يقدموا لهم المثل والقدوة، أحدهم فك أربطة جروحه لكي يربط بها جروح أحد جنوده وحين لم تكف مزق ملابسه الداخلية لكي يفعل ذلك، وهم الذين أسروا عساف ياجوري وأهدوا مسدسه لكي يوضع في متحف الجيش، وأحدهم تمزق كبده وجنوده ينقذونه من تحت شكائر الرمال في موقع القيادة.. المجموعة 39 بقيادة الشهيد الرفاعي، ودور الملك فيصل يرحمه الله في الحرب حين قال للسادات «اشتروا ما تحتاجون إليه من أسلحة وأرسلوا إلينا الفواتير» واستخدم سلاح البترول رغم الخسارة التي منيت بها بلده، وهواري بوميدين الذي فتح البنك المركزي في الجزائر وحمل سعر السلاح المطلوب وسافر إلي روسيا بنفسه لكي يتأكد من شحنه إلي مصر.. فلم أدعو رجال الأعمال الوطنيين المصريين أن يمولوه بالكامل ويسوقوه حتي ولو لم يجنوا من ورائه أرباحا كي تتعلم الأجيال التي لم تعش روعة انتصار مصر معني العمل الجماعي والإيمان برسالة وهدف.


اقرأ المقال الأصلي علي بوابة الوفد الاليكترونية الوفد - السادات ومبارك.. حكاية شعب؟!

Sunday, September 30, 2012

عروض "التحطيب" السياسى ؟!


أرى فى المبادرات التى لازالت تطرحها الأحزاب السياسية فى مصر للحد من تغول الإخوان المسلمين والوقوف فى وجه المد الإسلامى والسلفى عروضا يمكن أن نطلق عليها "تحطيب سياسى" ولكنها عروض ينقصها حسن الإخراج ومهارة اللآعبين لكى تخرج مقنعة ومتناغمة تعبر عن استخدام العصا وتوظيفها فى التعبير عن الهجوم والدفاع طبقا لخطة موضوعة سلفا .. كثرت مسميات العروض وزاد عدد اللآعبين بالعصا فى مجاميع حركتها نشاز، كل مجموعة تحاول أن تقفز أعلى من الأخرى أو تأتى بحركات خارج السياق وترتجل تشكيلات فوضوية مستهلكة توحى بالتميز والتجديد .. غاب أصحاب أدوار البطولة الذين يضبطون إيقاع الحركة واتجاهاتها على المسرح فاعتلى الخشبة كل من يريد أن يجرب حظه حتى لو كان يعرض دون جمهور لمقاعد خالية وصالة لايسمع فيها غير صدى صوته.
لاتزال "مصر" غائبة عن المشهد فى معظم مايحدث على الرغم من أن اسمها يتردد فى كل مبادرة او حركة أو إئتلاف للإيحاء بنبل المقصد وموضوعية الأهداف وشفافية الحركة وإنكار الذات، وأستطيع أن أجزم أن كثيرا من تلك المبادرات تفشل ولا تستكمل لسبب واحد لاأجد – حين استعرض أسماء وقامات من ينتمون إليها – سوى الإختلاف على شخص من يتولى القيادة ومن يقبل كل الأطراف بتاريخهم وخبراتهم أن يمثلهم ويجمع شملهم ويحقق التوافق بينهم .. أى تجمع لكى ينجح لابد له من رؤية ورسالة وهدف استراتيجى رئيسى وأهداف فرعية واستراتيجية لتحقيق تلك الأهداف ثم خطة عمل تفصيلية توضح الخطوات العملية والأنشطة والتكتيكات التى سوف تتبع لتحقيق الأهداف .. وطبيعى أن كل ذلك يتطلب مناقشة وتصارع فى الآراء ثم اتفاق ورغبة وقدرة وإرادة تجمع كل الآراء وتحشد كل الطاقات بتصميم لاستكمال السباق وبلوغ خط النهاية .. الخبرة والتاريخ السياسى إذن ليس كافيا لإحداث التغيير ولابد من توافر مهارات الإدارة الرشيدة واستخدام أدواتها بكفاءة وفعالية لتطوير نماذج تتوافق فى تطبيقها مع الثقافة المصرية المتفردة فى خصوصياتها وتراكيبها وتغلغلها فى تشكيل وجدان المصريين وسلوكهم والقدرة على التأثير عليهم تجاه تيار معين.
أنا لاأدافع هنا عن تيار بعينه ولا عن رئيس لم أعطه صوتى، ولكنى أحب أن أفكر منطقيا وبوضوح رؤية وقراءة جيدة قدر المستطاع للمشهد السياسى .. فى رأيى أن الرئيس المنتخب أخطأ خطئا فادحا فى إلزام نفسه بمائة يوم يصلح فيها كثيرا من جرائم عهد من سبقه وينجز فيها إصلاحات تحتاج إلى وقت وإلى موارد غير متوافرة لكى تتم .. تحمس الرئيس أكثر مما ينبغى، ولم يخطر بباله كم التربص الذى يحيط به وبالجماعة التى ينتمى إليها من أصحاب المصالح المتباينة والتى تتراوح مابين مقعد فى البرلمان أو منصب وزارى إلى الوصول إلى الحكم حتى لو تطلب الأمر تعطيل عمل اللجنة التأسيسية للدستور أو إجراء انتخابات تشريعية جديدة أو حتى إعادة إنتخابات الرئاسة كما ينادى البعض .. ينسى كل هؤلاء أننا نتحدث عن إقتصاد كارثى لبلد مفلس، وبناء سياسى لم يكتمل بحل مجلس الشعب، وبنية تحيتية مهترئة ومهلهلة، ومطالب فئوية تأخرت كثيرا فى ظل عهد قمع الحريات لكى تظهر مرة واحدة بتركيز شديد وضغط متواصل تحرك بعضه للأسف قوى وأحلاف أصحاب المصالح من أذرع أخطبوط الفساد المنتشرة فى كل أجهزة الدولة الحساسة والتى تعمل من وراء ستار لتخريب مصر وانفجارها من الداخل وتحتاج إلى وقت طويل لكى يتم بترها بالقانون.
أعلم أن الردود جاهزة، ولكن العقل يقول أننا صبرنا عن كره لأكثر من ثلاثين عاما لحكم اتضح بعد فوات الأوان أن همه الأكبر أن يؤصل للتوريث والإقصاء ونهب الموارد والسلب والنهب والإفقار والتجهيل فى أكبر عملية تجريف لوطن بأكمله ربما فى التاريخ كله، وطبيعى أن تصبح مصر خرابة ومشحتة ومزبلة مكتملة الأركان وأن يزداد الغالبية العظمى من الناس فقرا وجهلا وأن تصبح أى رئيس يتولى حكم مصر بحاجة إلى مهارات خرافية فى إدارة الكوارث والأزمات التى صار بعضها مزمنا بحكم الإهمال والزمن .. ذلك يقتضى من كل صاحب خبرة أو علم أن يسهم برأية فى الحلول الممكنة وليس فى توصيف ماهو كائن وتنظير وتحليل وفلسفة الرأى لكى يكون أكثر اقتناعا، كما يقتضى أن نكون واقعيين فى نصب ميزان الحساب لمن تولى المسئولية ومنحه الفرصة لكى يحقق ماوعد به فى إطار زمنى واقعى يرى الصورة كاملة والإمكانات المتاحة كلها ثم يحاسب بعد ذلك .. لن يفيد تجييش الإعلام لاستضافة النخبة التى تجيد الكلام ولاشيئ غير ذلك، والبرامج التى ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب بعينه، ولا حملات التشكيك من خلال شبكات التواصل الإجتماعى فكلها تصب فى خانة الهدم لا البناء وتلطيخ الصورة بدلا من محاولة إظهارها على حقيقتها، ولن تفيد كثرة الإئتلافات والتحالفات مالم تكن وليدة رؤى قومية واضحة تضع حلولا للمشكلات وتعلن عن تحمل جزء من مسئولية إدارة البلاد .. مصر ياسادة بحاجة إلى "بعث" يعيد الروح إلى الجسد الذى شاخ وأصابه الوهن والضعف .. نريد وطنا يحمل كل فصيل فيه سلاحه قلما كان أم آلة لنرسم معا الطريق إلى المستقبل ثم نعيد البناء وننحنى معاول الهدم جانبا لفترة ننعم فيها بالإستقرار ثم نبدأ فى حساب من انتخبه الناس على أسس موضوعية بقصد التطوير والتحسين المستمر بلا توقف.