Tuesday, November 03, 2009

إتجاهات معاصرة لتطوير التعليم الجامعى

دعيت إلى مؤتمر دولى عن الإتجاهات المعاصرة فى التعليم العالى فى جامعة مصرية كبيرة ، وأصبت بالنكد مرتين : مرة لما سمعته عن خطط إصلاح التعليم فى مصر ، ومرة حين عرضت بحثى عن توجهات التطوير فى العالم من حولنا والفجوة الرهيبة بين مانحن فيه وبين مستقبل التعليم كما يخطط له بالخارج حتى عام 2050.. لدينا فى مصر أكثر من هيئة وجهة خصصت لها الحكومة مبالغ طائلة إلى جانب الإتفاقات الدولية التى تعقد مع الجهات المانحة لتقديم الدعم المالى والفنى كقروض أو منح .. هناك أكثر من جهة وهيئة فى مصر المفروض أنها أنشئت لكى تتولى تطوير التعليم فى مصر أملا فى أن تحتل جامعاتنا مكانا ولو متأخرا فى ترتيب الجامعات وتصنيفاتها دوليا . خصصت الحكومة 2 مليار جنيه للهيئة القومية لضمان جودة التعليم والإعتماد ولمشروع تأهيل الجامعات للحصول على الإعتماد باضافة إلى وحدة للتخطيط الإستراتيجى بوزارة التعليم العالى تتبع الوزير شخصيا ، ومضى أكثر من أربعة سنوات ولم يحقق أيا منهما أهدافه التى كان مقررا لها ثلاث سنوات ، وصرفت الميزانية أو كادت على سفريات ومكافآت وبدلات ورواتب ولم يطرأ أى تحسين فى جودة التعليم المتوسط والجامعى بينما العالم يخطط كما قلت ليصل بهما إلى مسارات فلكية تخرج عن نطاق الجاذبية الأرض إلى أعلى درجات الفضاء الخارجى.
الجهات الثلاثة التى ذكرتها لايربط بينها أى خطة استراتيجية تحدد الأدوار ، وتقوم جميعها بعمل بعضها البعض فى نواحى كثيرة فتتبدد الموارد وتضيع الجهود ولايتحقق أى عائد .. لازلنا فى مصر نتكلم عن تنمية قدرات أعضاء هيئة التدريس فى إلقاء المحاضرات ، وفى تطوير بعض المناهج والمقررات ، وتوفير كتاب جامعى متخلف للطلاب ، وتجهيز معامل بأبسط الأجهزة التى عفا عليها الزمن ونعتبر ذلك إنجازا تستحق أن تحصل الجامعة بموجبه على الإعتماد .. جامعاتنا – وبالقطع مدارسنا – ليس بها دورات مياه آدمية ، وليس بها أماكن ملائمه يستريح بها أعضاء هيئات التدريس ، وفوق هذا وذاك لاوجود لما يسمى بالبحث العلمى الذى هو جوهر العملية التعليمية كلها وبدونه لايمكن أن تدرج جامعاتنا فى أى تصنيف عالمى حتى المتواضع منها .. وفى نهاية المطاف نعرف جميعا المستوى المتدنى لجودة المخرج النهائى وهو الطالب الذى يحمل شهادة بلا علم ولاعمل.. تعالوا نأخذ عينة من توجهات تطوير التعليم العالى بالخارج لكى نعرف حجم الفجوة التى تفصل بيننا وبينهم:
• يفكرون فى الخارج فى إنشاء جامعات "تفصيل" تلبى احتياجات الطلاب وظروفهم من حيث أوقات المحاضرات والبرامج التعليمية المقدمة التى تناسب تلك الظروف بحيث يصبح التعلم متعة وقيمة مضافة وليس عبئا يحتاج إلى ترتيبات خاصة .. سوف يستطيع الطالب بالخارج أن يختار البرامج التى يريد أن يتعلمها بحيث تنمى قدراته أو تخدم عمله ويسقط من حسابه أى برامج أخرى "حشو" تمتلئ بها برامجنا الدراسية .. وسوف يختار الطالب مواعيد الدراسة والإختبارات التى سوف تتطور هى الأخرى لكى تقيس مستوى تحصيل الطالب وليس مستوى حفظه أو "صمه" للمقرر الدراسى ، بل إن الطالب فى نطاق اتفاقات التآخى بين الجامعات فى البلدان المختلفة يستطيع ان يستكمل دراسته فى أى جامعة فى موطنه دون أن يسافر إلى الجامعة التى يريد أن يتخرج فيها.
• ويفكرون فى إلغاء الكتاب الجامعى الذى يرون أنه لم يعد ضروريا فى ظل إنتشار تكنولوجيا الإتصال وسهولة وسرعة الحصول على المعلومات .. سوف يتواصل الأستاذ والطالب إلكترونيا فى أوقات متفق عليها دون حاجة إلى أن ينتقل الطالب إلى الجامعة دون أى ضياع للوقت.. سوف يتحدد إطار عام للمقرر الدراسى الذى اختاره الطالب لنفسه ومتطلبات استيفاء المقرر من خلال البحوث التى يجريها الطالب باستخدام مصادر المعرفة المتاحة فى الموضوع وخبرته الشخصية العملية .. هناك يلغون الكتاب الجامعى بجاذبيته وألوانه والأقراص المدمجة التى تصاحبه ، وهنا لازلنا نحتفظ بأيدينا بكتاب متخلف ردئ الطباعة قديم المعلومات لايفخر أحد باقتنائه ناهيك عن الإحتفاظ به كمرجع.
• التوسع فى الجامعات المؤسسية هو توجه مستقبلى فى الخارج حيث تتولى المؤسسات الكبرى ذات الإمكانات العملاقة إنشاء جامعاتها الخاصة المعتمدة والتى تمنح الدرجات العلمية لطلابها من بين العاملين بها والذين سوف تتجه دراساتهم وأبحاثهم لكى تصب فى تطوير العمل بتلك المؤسسات وزيادة الإنتاج وجودته وتلبية احتياجات السوق من المنتجات التى يحتاجها العملاء ومعها تنمية ذاتية للمجتمعات التى تعمل بها تلك المؤسسات وتعتبر اسهاماتها فى هذا السبيل واجبا عليها ينبغى الوفاء به.
أكبر صدمة اصابت الحاضرين حينما قلت أن الناس فى الخارج يتجهون نحو إلغاء الجامعات تماما بحلول عام 2050 ، وأنهم يفكرون فى توفير ميزانيات الجامعات بمبانيها وصيانتها ومعاملها وقاعاتها وملاعبها وأنهم سوف يستعيضون عنها بمراكز البحوث والنوادى المنتشرة فى كل مكان باعتبار أن المجتمع المدنى شريك فاعل فى النهوض بالتعليم .. الأستاذ الجامعى سوف يشرف على طلابه ويلتحم معهم خارج أسوار الجامعة وسوف يجرون أبحاثهم فى البيئة التى يعيشون فيها والتى يعرفون أكثر من غيرهم احتياجاتها .. نحن أحوج مانكون إلى نوفير المليارات التى اقتطعها الشعب من قوته والتى يستفيد بها فئة الموظفين والمنتعفين من وراء تخريب التعليم ، ونتوقف عن الحديث عن جودة التعليم الذى هو غير موجود أصلا ..!

تطوير الخطاب الدينى مرورا بالأزهر وجامعته

لست أحاول هنا أن أتناول قضية النقاب ومااثير حولها فأنا لاأعتبر أن القضية أن نثبت مشروعيته من عدمه وإنما فى حرية الناس وحرية العقيدة دون جبر أو إلزام .. أحاول هنا أن أنبه إلى استغراقنا فى مشاكل فرعية تستنفذ ماتبقى من طاقة قومية كان يجب أن نوفرها لما هو أهم ولحل العديد من المشاكل المعقدة التى نعانى منها والتى لن يحلها إرتداء النقاب أو خلعه ويستحيل أن تشغل المؤسسة الدينية نفسها بها عن أمور أخرى من صحيح الدين وليست محل خلاف بين الأمة والتى لو تغير الخطاب الدينى يمكن أن تتحول إلى طاقة رهيبة على العمل والإنتاج وحسن المعاملة بين الناس والنهوض بالمجتمع كله وتنمية قدراته .. وطبيعى ألا يعنينى الحديث عن أشخاص وأنا اثير تلك القضية الهامة حتى لو كان شخص شيخ الأزهر بكل مؤسساته الدينية والعلمية ومنها جامعة الأزهر ، فالمقصود مرة ثانية هو أن ندق ناقوس الخطر لما صار إليه الخطاب الدينى فى ظل إنحسار دور الأزهر وجامعته ومؤسساته التى كان يمكن أن تقوم بدور أكثر فعالية ينتظره الشعب المصرى منها اليوم أكثر من اى وقت مضى .
لايختلف أحد على أن دور الأزهر قد تضاءل وزاد ضعفا بطريقة ملحوظة خلال العقد الماضى، ولاينبغى إطلاقا أن يرهبنا شخص من يتولى مشيخة الأزهر عن أن نقول كلمة حق وأن نبدى رأينا موضوعيا لكى تقوم تلك المؤسسة العريقة بدورها مهما كان نوع التغيير المطلوب .. وإذا كان الحوار الذى دار بين شيخ الأزهر وطفلة فى الحادية عشرة من عمرها فى الصف السادس الإبتدائى قد دل على شيئ فإنما يدعم وجهة نظرنا فى ضرورة التدخل السريع كما تقدم لكى يستعيد الأزهر مكانه ومكانته ويعود له تأثيره الذى كان .. وبعد أن شاهدت واستمعت كغيرى للأحاديث التى أجريب مع شيخ الأزهرحول تلك الواقعة من محطات ومقدمى برامج موضوعيين لهم وزنهم واحترامهم ، فإنى فى تحليلى هنا سوف ألتزم بما شاهدته وسمعته حتى لايدعى أحد بغير الحقيقة التى سوف أبنى حولها دعوتى الصارخة :
• لاأشك لحظة فى أن اعتراض شيخ الأزهر على ارتداء طفلة للنقاب داخل فصل دراسى وسط زميلاتها له مايبرره منطقيا ، ولكن الأسلوب الذى اتبع لايمكن أن يقره أحد حين يدخل رجل بمكانته فى جدل حاد مع الطفلة وينفعل عليها ويرد على لسانه عبارات صادمة أقر ببعضها فى أحاديثه بل وزاد عليها .. لم يكن فضيلته فى معرض الحكم على مدى علمه ومرجعيته الدينية ، ولم يتحدى أحد مكانته ورغبته فى ايضاح الأمر وحكم الشرع ولو كان الأمر قد تم " بالحكمة والموعظة الحسنة " لكان مثالا جميلا لسلوك إسلامى ونموذجا للدعاة الذين تمتلئ بهم مساجدنا ويظنون أنهم يملكون الحكمة المطلقة ويحتكرون توزيعها بين الناس بأساليب التخويف والقهر والصراخ فلا حال إنصلح ولاسلوك تغير.. ينبغى على الشيخ ان يراجع أسلوبه فى التخاطب – والجماهيرى منه على وجه الخصوص - لكى يتوافق مع كرامة المنصب الذى يشغله .
• الخلاف الحاد بين شيخ الأزهر وهيئة علمائه حول كثير من القضايا والمسائل والفتاوى ينذر بشر مستطير ، ويزلزل الأرض تحت مكانة الأزهر فى العالم العربى والإسلامى ويثير البلبلة بين الناس ويفتح الباب على مصراعيه لمدعى العلم ومفتيي الفضائيات أن يزيدوا شك الناس فى دينهم ويجعلهم فريسة سهلة للمتطرفين الذين اصبحوا شيعا وفرقا يأكل بعضها بعضا وتجاهد لكى تنسف أمن المجتمع وأمانه بأفكار مدمرة وأساليب متأخرة ومعارك تستهدف قيم التسامح والمؤاخاة فى مجتمع يشتعل حاليا بالخلافات وببذور فتنة يرويها ويرعاها اصحاب المصلحة فى إشعال فتنة طائفية لاتبقى ولاتذر.. وحدة الرأى فى الأزهر أمر بالغ الأهمية ، ولكنها لاتعنى وحدة رأى شيخ الأزهر بل إجماع علمائه على الأمور الدينية التى تصلح أحوال الناس .. أقول ذلك لأن الشيخ الجليل صرح بحدة فى الفضائيات بأنه سوف يجمع المجلس الأعلى للأزهر لكى يتخذ قرارا يمنع دخول المنتقبات إلى مدارس ومعاهد وكليات الأزهر قبل أن يجتمع المجلس ويقرر ذلك.
• جامعة الأزهر التى كانت الأمل فى تخريج دعاة يؤمنون بالوسطية وينتشرون فى كل بقاع الأرض برسالة الإسلام السمح الذى يعترف بكل الأديان السماوية ويتعايش معها فى سلام ، وتستقبل مبعوثين من أكثر من مائة دولة أسلامية لكى تعدهم كدعاة مستنيرين يسهمون فى نشر تلك المبادئ السماوية السامية .. هذه الجامعة العريقة يحكمها فكر جامد غير متطور لايلاحق أيقاع العصر ، ولا يسعى لتطوير برامجه ولا مقرراته لكى تتناول دور الدين فى تناول مشاكل المجتمع بمفهوم عصرى لايخل بثوابت الدين ولكنه يتصدى لكل مايستجد من تيارات مدمرة .. خريجو الأزهر ينضمون إلى طابور الدعاة التقليديين الذين يملئون الساحة حاليا موظفين فى وزارة الأوقاف يحفظون نصوصا قديمة لخطب عفا عليها الزمن لاعلاقة بينها وبين التعاملات بين الناس ولا المشاكل العصرية التى يعانون منها.. خريجو الأزهر الذين نبعث بهم للخارج لايجيدون أى لغة أجنبية على الرغم من وجود كلية للغات والترجمة تابعة للجامعة .. الكتب التى يشتريها الطلاب لم يتغير فيها حرف منذ أكثر من ربع قرن .. قلعة حصينة مغلقة الأبواب فى وجه أى تيار إصلاحى يهدد المستفيدين من بقاء الحال على ماهو عليه.. ولكى اثبت كلامى سوف أذكر حادثة كنت شاهدا عليها : توجد على ناصية جامعة الأزهر لافتة تشير إلى موقع الجامعة باللغتين العربية والإنجليزية وهناك خطأ بشع فى الترجمة الإنجليزية حيث كتبت كلمة جامعة خطأ هكذا UNIVERISTY بعد كلمة الأزهر .. المصيبة أننى نبهت أحد نواب رئيس الجامعة منذ أكثر من عامين فى اجتماع ضم كل عمداء كليات الجامعة إلى هذا الخطأ وضرورة إزالة اللافتة واستبدالها ، ولكن اللافتة لاتزال على حالها فى مكانها تخرج لسانها لأى محاولة لاختراق الجامعة بأى مشروعات إصلاحية تفتت الجمود الذى أصاب الجامعة بالشيخوخة المبكرة حتى لو كان استبدال لافتة تسيئ إلى كل من يقرأها ولايحرك ساكنا.