Thursday, March 01, 2012

المسئولية الإجتماعية .. مواقف ومعان - 3


أصعب تحدى يواجه أصحاب الرسالات من المصلحين الإجتماعيين هو أحداث التغيير فى المجتمع حيث يواجه أى تغيير فى العادة بمقاومة شديدة لأنه يعنى بالنسبة لمن اعتادوا على رؤية ماحولهم بشكل معين أو فعل الأشياء بطريقة معينة الخروج من "دائرة الأمان" فالتغيير بالنسبة للناس – بنسب مختلفة – مغامرة غير مضمونة العواقب وقد تؤدى إلى الفشل ولاأحد يحب أن يفشل، وقد تتطلب المشاركة بجهد أو رأى أو إلتزام وفى ذلك نوع من الإختبار لقدراتهم وهو شيئ يمثل عبئا نفسيا يفضل الناس تجنبه .. وكلما زاد الضغط لإحداث التغيير كلما زادت حدة المقاومة وكأننا أمام معركة بين طرفين يحاول كل طرف فيها دفع الطرف الآخر إلى الخلف واكتساب أرض يستميت للحفاظ عليها، وتزيد شراسة المقاومة فى المجتمعات ذات التاريخ الطويل والعادات الراسخة والثقافة الثابتة التى تكونت على مدى أجيال وهذا مايحدث فى مصر على الآن بعد أن تخلفت عن ركب المدنية والديموقراطية أجيالا طويلة وتحاول الآن أن تنتقل إلى القرن الثانى والعشرين .. المصلحون الإجتماعيون وقادة الرأى يصبحون فى مثل تلك المجتمعات "وسطاء تغيير" يحاولون طول الوقت أن يبشروا بضرورة وعوائد التغيير ويضموا إلى صفوفهم المزيد من الوسطاء الذين يساعدون فى إقناع غيرهم بالإنتقال من صفوف الأتباع الذين يقنعون بالمشاهدة دون المشاركة ويفضلون الإسترخاء عن المجاهدة للتطوير وإحداث التغيير.. وكلمة مجتمع التى استخدمتها تعنى المجتمع ككل وطنا أو أمة ويعنى كذلك أى مؤسسة أو هيئة أو أسرة أو بيئة عمل او أصحاب حرفة ما أو شركاء فى مصلحة أو نشاط من أى نوع.

أرسل إلى صديق سائقا يقلنى إلى اجتماع عمل فى مكتبه الذى يقع على أطراف   مدينة القاهرة.. لاحظت أن السيارة جديدة وكنا فى فصل الشتاء ولكنى وطلبت من السائق أن يفتح جهاز التكييف لفترة تجنبا للغبار وعادم السيارات على الكبارى وإختناقات المرور خلال الطريق وحين فعل ذلك تحولت السيارة فى لحظات إلى فرن تزداد حرارته كلما زاد السائق من سرعة المروحة وفشلت محاولاتى المتكررة لتبريد الهواء بفتح شبابيك السيارة ظنا منى أن المكيف يحتاج لبعض الوقت لكى يعمل بصورة طبيعية .. وأخيرا أكتشفت أن هناك زرا صغيرا فى لوحة السيارة كان ينبغى الضغط عليه لكى يبرد المكيف الهواء .. سألت السائق منذ متى يعمل لدى صديقى فاكتشفت أنه التحق بالعمل منذ شهور فقط وأنه قام بقيادة تلك السيارة مرة أو مرتين فقط من قبل، وهنا تحرك فى نفسى فضول العلم فاستطردت فى التساؤل عما إذا كان قد أدار جهاز التكييف من قبل فأجاب بالإيجاب ولكنه لم يجرب التبريد لأنه لايحتاج إليه فى الشتاء .. وجدت أن من واجبى أن أمارس هوايتى فى محاولة إحداث التغيير كلما وجدت فرصة فسألته إن كان قد سأل سائقا آخر أو رئيسه المباشر حين استلم السيارة عن بعض الأشياء التى لايعرفها أو قرأ كتيب الإرشادات قبل أن يقود السيارة على اعتبار أن من الطبيعى أن أنظمة السيارات تختلف باختلاف ماركاتها ولاتعمل كلها بطريقة واحدة فأجاب بالنفى .. كثير من الناس مثل هذا السائق يفضلون هذا المنهج السلبى فى التفكير يتجنبون السؤال ولايبادرون بمحاولة المعرفة ويرون فى ذلك مخاطرة بأن يتهمهم الآخرون بالجهل وعدم المعرفة، ولقد حضرت اجتماعات عمل كثيرة فى مجالات شتى وكثير منها يتكرر فيها نفس الوجوه التى يجلس أصحابها كالأصنام يسألون ولايبدون رأيا ويتجنبون بشتى الطرق أن يسألهم أحد ولاتدرى فى آخر المطاف ماإذا كانوا يؤيدون أو يعارضون وجهات النظر التى طرحت، وكثير من أحزاب مصر على هذا الحال.
مررت يوما بالمغسلة التى أتعامل معها والتى أمر عليها  فى ذهابى لمكتبى ومعى جاكت وقميصين للكواء كما اعتدت ، وجدت العاملين ينظفون المكان ولمعرفتهم لى ومعرفتى لهم من طول العشرة أخذ منى كبيرهم كيس المكوة دون الإيصال المعتاد فى مثل تلك الأمور بعد أن ذكرت له مابداخل الكيس بمنتهى الوضوح .. مررت بعد يومين لاستلام ملابسى ففوجئت بهم يسلموننى أشياء ليست لى .. شرحت بهدوء أن هناك خطأ ما وأن ملابسى عبارة عن كذا وكيف ولكن المسئول أصر على أن هذه الملابس هى ملابسى وأنها هى التى استلمها منى، ورغم تأكدى مما سلمته للمغسلة طلبت منزلى لزيادة التأكيد من أنه لم يحدث أى خطأ من أى نوع ولكن مسئول المغسلة يرفض التصديق ويصر فى غباء على موقفه .. غضبت وفقدت أعصابى ولكنى قاومت بشدة أن أتخذ إجراءا رسميا لسابق معرفتى بالعاملين فى المغسلة وأمانتهم فى رد أشياء كنت قد نسيتها فى ملابسى من قبل ولذلك تركت تليفونى وطلبت منه أن يتصل بى حين يجد الأشياء وأعدت وصفها بدقة من حيث الألوان والشكل .. مضى يومان واتصل بى الرجل يزف إلى بشرى العثور على ملابسى وذهبت فى نيتى أن ألقنه وباقى العاملين بالمغسلة درسا فأصررت على أن يخبرونى أين وجدوا ملابسى فاتضح أنهم فى غمرة التنظيف تركوها فى كيسها فى دولاب دون أن ينتبهوا، وسألتهم عما إذا كان صاحب الملابس التى أرادوا تسليمى إياها قد استلمها بأجابوا بالإيجاب فقلت ماذا كان سيحدث لو أنى أخذت تلك الملابس وجاء صاحبها يطلبها فأطرقوا صامتين .. وللحديث بقية.

Wednesday, February 22, 2012

المسئولية الإجتماعية - دور الفرد ودور المؤسسة


لدى قناعة أن أى إصلاح فى مصر أو أى تغيير أو تطوير لابد وأن ينطلق من أحساس مخلص وحقيقى بالمسئولية الإجتماعية للهيئة أو المؤسسة أو الفرد الذى يريد التغيير إلى الأحسن، وأرى أن الأحزاب السياسية الكبرى فى مصر وقد حظى أعضاؤها بشرف تمثيل الشعب الذى انتخبهم فى برلمان مابعد الثورة عليها دور هام فى تشكيل الوعى والوجدان العام للشعب بأهمية المسئولية الإجتماعية في كل مانفعل .. "اللآتعليم" الذى ابتلينا به على امتداد تاريخ الحكم العسكرى غسل عقول الناس وألغى كل "حارات" المخ وأبقى على حارة واحدة فقط للتفكير تتزاحم فيها أفكار الكارو مع الكارتة مع الجمال وأخيرا التكتك فى صراع على فهم ألف باء حياه .. حارة تؤدى إلى رصيف يقف عليه بائع فول أو أنابيب بوتاجاز أو طاولة عيش يتصارع الجميع على الإستحواز عليها بينما تشق الطرق والكبارى الخاصة خارج كردون الزحف الشعبى العام فى حارة المرور الوحيدة المتاحة لكى تسابق فيه المرسيدس والرولز رويس والبنتلى والهامر الريح ذهابا وعودة من أراض مصر ومتجعاتها ومزارعها لمن قسموا التركة على أنفسهم وأولادهم وأحفادهم من بعدهم .. ولولا أننا تربينا فى مدارس كانت تسير وقت أن التحقنا بها بقوة الدفع لنظام تعليمى جيد قبل ثورة 52 لم يكن التعليم بها يقتصر على مقررات وكتب نمطية فقط وإنما توافرت بها كل وسائل تربية الطلاب جسمانيا وعقليا وثقافيا لما وعى جيلى أهمية المسئولية الإجتماعية وكيف يكون الولاء للوطن والمجتمع عقيدة ومنهج حياه .. والسؤال هو: هل يمكن أن يربى المرء فى نفسه أو يزيد وعيه بمسئوليته تجاه المجتمع فى كل مايفعل ؟ والإجابة هى نعم بكل تأكيد بشرط أن يرغب فى ذلك ويحرص عليه قبل التخطيط أو القيام بأى عمل أو نشاط يمتد تأثيره على الآخرين.

ننبهر كلما سافرنا للخارج من حرص الناس على الهدوء فى الشارع وخلوها من القمامة وتخصيص أماكن لكل شيئ ونظام يضبط حركة الحياة حتى فى أوقات الراحة والحدائق العامة التى يتجول الناس بها ترويحا عن النفس أو يجلسون للقراءة فى هدوء أو يمارسون رياضة الجرى أوالمشى دون أن يضايق أى منهم الآخر أو ينتهك خصوصيته .. فى الشارع يلتزم الناس بالسرعات المقررة وبالحارات المخصصة لكل نوع من المركبات ، وفى المنازل لايستطيع كائنا من كان أن يركب طبق هوائى مالم يحصل على تصريح بذلك ولايمكن وضع طوبة زيادة دون إذن وموافقة السكان والحى التابع له، بل إنك لاتستطيع بعد موعد معين أن تحدث ضجيجا من أى نوع داخل سكنك الخاص حيث يحق لأى متضرر أن يستدعى الشرطة التى تحضر فى الحال لكى تحرر لك محضر إزعاج وتمنعك من الإستمرار فى إزعاج الغير وطبعا مكبرات الصوت والدق على أنابيب البوتاجاز والنداء على الخضار أو إذاعة الأغانى من الموتوسيكلات والسيارات المارة اختراع سوف تظل جميعها من علامات الدول التى شبعت تخلفا على أيدى حكام مجرمين تآمروا على شعوبهم واختزلوا الوطن فى أسرهم وحوارييهم وخصيانهم والمجموعة المحيطة بهم من "عبيد السلطان" المتحلقين حول القصور والضياع لكى ينالهم من الحظ جانب.

نعم يمكن لكل منا أن يصبح كيانا إصلاحيا ينشر حوله معان وقيم تعدل السلوك وترفع الوعى بحقوق الآخرين وتجعل من يرتبطون معنا بعمل أو صلة قربى يتأثرون بنا ويتغيرون ويؤمنون بأن لهم رسالة فى الحياة أن يعلموا غيرهم وأن يحرضوهم على تعليم غيرهم فى حدود ماأسميه المترX متر الخاص بهم أو "منطقة النفوذ" التى لهم مطلق الحرية فى استخدامها دون تدخل من أحد مثل الأسرة والأصدقاء والطلاب فى المدارس والمرءوسين فى العمل والناس الذين أتعامل معهم وبذلك تتسع دائرة تغيير السلوك العام فى دوائر تتقاطع مع بعضها حينا وتنفصل أحيانا وتتحسن بالتدريج جودة السلوك المصرى وجودة المجتمع ككل تبعا لذلك .. بجوار منزلى الذى يقع بشارع رئيسى بالمعادى وفى منطقة يحتل جزءا كبيرا منها مستشفى القوات المسلحة الشهير والمحكمة الدستورية العليا قرر بائع فول أن يحتل أحد الأرصفة محلا لنشاطه ولما لم يعترضه أحد أتى بنصف دستة ترابيزات حولها كراسى وحول الرصيف إلى مطعم شعبى يؤمه السائقين والعمال من كل جهة ويسدون نهر الطريق بل ويحولون المرور عمليا إلى مسار آخر لعدم الإزعاج أثناء تناولهم وجباتهم .. الأغرب أنه على بعد خطوات من هذا المطعم الشعبى مطعم آخر فرع لسلسلة مطاعم  متخصصة فى تقديم الوجبات الشعبية بما فيها الفول والطعمية ويستأجر العمال ويدفع الضرائب ويقوم بالحفاظ على نظافة المكان ولم يحرك أصحابه ساكنا ، وربما فعلوا ولكن أحدا لم يستجب لهم باعتبارهم "قطاعون أرزاق".

أظن ان لدى حزب الوفد فرصة ذهبية مواتية لكى يصبح نموذجا فى نشر الوعى بالمسئولية الإجتماعية مستغلا إمكاناته ومستثمرا فى كوادره وإعداد شباب الوفديين لكى يكونوا مع الهيئة البرلمانية للحزب "وسطاء للتغيير" .. الحزب يشهد حاليا إنطلاقة ثورية تبدأ بتطوير مؤسسى يجدد شباب الحزب ويعد كوادره لمواجهة تحديات التغيير المتسارع بالشارع المصرى وتلبية طموحات الناس وتحقيق مطالبهم العادلة فى الحرية والعدالة الإجتماعية والديموقراطية ويجعله نموذجا رائدا فى الأخذ بأسباب العلم وتطويعه لمقتضيات الواقع المجتمعى .. وللحديث بقية.