Wednesday, June 24, 2009

حين لانعنى مانقول .. وندافع عنه على أنه الصواب

جانب العذاب فى علم الإدارة أنك تأخذ حياتك بمنتهى الجدية ، وتطبق على نفسك ماتتمنى على الآخرين أن يفعلوه .. ويزيد من عذابك أن عينيك تصبحان كاميرا لاقطة لصور عديدة من سوء الإدارة ، أو القرارات التى تثير الشفقة وقد تؤدى إلى السخرية أحيانا من فرط سذاجتها وتجاهلها لأبسط قواعد الإدارة فتصبح كالنكتة البايخة لاتضحك ولكنها تثير نوازع الضيق والسخط .. وإليكم عينة من مسببات ضغط الدم عندى .. أشياء ألحظها بسهولة ، ولكنى الحظ معها أن الناس تمر عليها مر الكرام كما لو كانت شيئا طبيعيا لايستحق الوقوف عنده أو الإلتفات إليه :

· أعلنت وزارة الداخلية عن توزيع المثلث وشنطة الإسعاف مجانا على المواطنين عند تجديد رخص القيادة فى إدارات المرور التابعين لها .. صدق الناس ولكنهم حين يذهبون لتسلم المنحة يفاجئون بمن يخبرهم بأن الكميات نفذت وعليهم مداومة المراجعة للإستلام.. وطبيعى أن يسأل الناس عن تاريخ ولو تقريبى فيقابلون بالسخرية والإستهزاء والإدعاء بأن أحدا فى أى إدارة مرور لايعلم متى تتوافر أى كميات يمكن توزيعها ، وإذا اشتكى أحدهم لرئيس وحدة المرور التابع لها – هذا إذا تكرم وقابله – سيقابل بما هو أسوأ : عبارات مثل " إنت وحظك " أو " دى تبرع من رجال الأعمال ، واحيانا يرسلون كميات وأحيانا لأ ، فماذا نفعل؟".. سوف ينسى الناس بعد حين حكاية المثلث والشنطة ، وقد يمل البعض المطالبة بهما فيشتريهما توفيرا للوقت الضائع والإنفعال الأكيد.. وقد "تبور" البضاعة المجانية لدى إدارات المرور فيطرح المخزون للبيع بالجملة أو تنشئ إدارات المرور محارق للتخلص منها .. الأمر المؤكد أن المواطن صاحب السيارة سوف يظل مسئولا عن توفير المثلث والشنطة وسوف يدفع غرامة عدم وجودهما فى كل الأحوال حيث لايمكن أن تحاكم إدارة المرور نفسها وتعترف بأنها لم تكن تعنى ماأعلنته ولكنها فوجئت بأن الناس صدقوا ماقيل وتعاملوا معه على أنه واقع .
· تذهب إلى إدارة السجل المدنى لتغيير بيان فى بطاقة الرقم القومى فتفاجئ بالموظف المختص يطلب منك كتابة تقرير يفيد بفقدان بطاقتك القديمة .. ولو اعترضت بأنك لم تفقدها فسوف يخبرك أن ذلك لمصلحتك حيث أنك لن تتسلم البطاقة الجديدة إلا بعد شهر تقريبا ، ولايمكن أن تظل بغير بطاقة هذه المدة .. وسوف تزيد دهشتك ومعها عصبيتك من أن "الحكومة" تطلب منك مخالفة القانون فى الوقت الذى تصر فيه أنت على احترامه، حين يخبرك نفس الموظف بأنه لن يسترد البطاقة القديمة منك قبل استلامك للجديدة على الأقل لكى يختمها بخاتم يفيد إلغائها مثلما هو الحال فى الجوازات .. كثير من المواطنين إذن سوف يحملون بطاقتى رقم قومى .. صحيح أنهما بنفس الرقم ولكن ببيانات مختلفة قد تكون العنوان أو الوظيفة أو الحالة الإجتماعية : هل أحتاج لمزيد من التساؤل عما يمكن أن يحدث نتيجة لذلك فى حالات الزواج والطلاق والتعاقدات والسفر واستلام الإخطارات القانونية ؟ الأدهى من ذلك وأمر أنك تجد منشورا كبيرا فى برواز بحجم الحائط موجه لجميع المواطنين طالبى الخدمة يحثهم فيها على الإتصال بالسيد مساعد الوزير فى حالة وجود أى شكوى .. أسلوب متحضر راق ، ولكن المشكلة هو أن من كتب المنشور لم يكتب أى تليفونات تستطيع الإتصال بها .. ولعله أشفق على الناس من طلب تليفونات لاترد .
· النظافة الشخصية ، وبالذات غسيل الأيدى بعد كل نشاط إنسانى تستعمل فيه الأيدى مثل المصافحة وتداول أوراق النقد واستخدام عربات السوبر ماركت ومقابض الأبواب ، هى أهم الإجراءات الوقائية التى أكدت عليها وزارة الصحة فى حملاتها لتجنب الإصابة بأنفلونزا الخنازير .. كذلك ركزت الحملة على خطورة الإستمرار فى بعض العادات الإجتماعية الذميمة مثل الأحضن والقبلات .. الغريب أن المشاهد لنشرات الأخبار ولقاءات المسئولين فى المواقع المختلفة بالدولة سوف يفاجأ بأن هؤلاء المسئولين لم يتوقفوا عن اللقاءات الحارة بالأحضان والقبلات لزوارهم وكأنهم محصنون ضد الفيروسات التى تهاجم عامة الناس .. وقد تتباطئ الكاميرا عند المشهد العاطفى المؤثر لكى تؤكد على مدى دفء العلاقة بين المسئول وضيفه وقدر الكرم الذى يتمتع به فى الترحيب به . وفى بعض الدول العربية التى ظهر بها المرض لايكتفوا بقبلة واحدة وإنما عدة قبلات زيادة فى الترحيب .. وهكذا وتفقد اى حملة مصداقيتها فى لحظات بعد أن نصرف الملايين دون تأثير يذكر.
· مدير يحاسب مرءوسيه على بعض مظاهر السلوك السلبى دون أن ينتبه أنه يفعل ماينهى عنه ، أو يعتقد أنه مادام مديرا فقد خرج من نطاق المساءلة عن السلوك السلبى الذى يعافب عليه مرءوسيه : لايحترم وقت العمل ، ويدخن ، ويتحدث بصوت عال ، ويؤجل اتخاذ القرارات الهامة .. أو طبيب تخسيس تدخل عليه فتجد أن السمنة قد استوطنت جسده ، ولكنه لايجد بأسا فى إسداء النصائح للمرضى ويكتب وصفات الدواء التى سوف تساعدهم على أن يصبحوا مثل غصن البان .. أو طبيب اسنان تذهب إليه لعلاج أسنانك وتنظيفها فتجد أنه يحتاج هو نفسه إلى زميل يتولى تقويم أسنانه وإعطائها المظهر البراق الذى والإبتسامة المشرقة التى تعلن عنها الحسناء الموجودة بالإعلان المعلق فى عيادة نفس الطبيب .. هل هناك مبرر لكى يكون "باب النجار مخلع" سوى أن النجار إختار أن يحاضر فى النجارة دون أن يمارسها لأن الكلام دائما أسهل وأرخص من تحمل أعباء العمل والخسائر المحتملة للإنتاج ؟ ترى هل يلخص هذا بلوى مصر من قلة الإنتاج وكثرة الكلام والجدل؟

Tuesday, June 16, 2009

ثقافة مقاومة التغيير : الجذور والأسباب

حين نعيش فى عالم أصبح الثابت الوحيد فيه هو التغيير، لم يعد من المقبول أن نسير على مهل نتأمل ونتفرج بينما مسرح الأحداث يموج بالحركة والتفاعل إما فى شكل ثورات إجتماعية وثقافية وسياسية واقتصادية عنيفة تهدف إلى تغييرات ضخمة سريعة فى وقت قصير، أو تغيير على مهل يلعب على التطور الطبيعى للأشياء بسياسة الخطوة خطوة . المشكلة التى نواجهها مثل غيرنا أن كل تغيير لابد وأن يصاحبه مقاومة مهما كان نوع التغيير وحجمه ونطاقه وتأثيره .. مقاومة تتساوى مع قوة التغيير ولكنها تختلف معه فى الإتجاه ، أى تقف فى وجه التغيير.. المشكة الأكبر أننا فى مصر نقاوم بشراسة أى نوع من التغيير ، وأحيانا دون أن نناقش آثاره ولا العائد من ورائه .. ولعل كوننا أقدم دولة منظمة فى التاريخ منذ أكثر من سبعة آلاف سنة تعتمد على حكومة مركزية تتخذ كل القرارات دون آليات تتيح المشاركة الشعبية ولايتوافر فيها عنصر الشفافية قد أدى إلى "إعتياد" التواكل والإعتمادية على الحكومات المتعاقبة والتى قد تفضل بقاء الحال على ماهو عليه دون تغيير.
وعلى الرغم من أى عملية تغيير بنبغى أن يكون هدفها الأساسى تغيير وضع قائم إلى وضع مستقبلى يحقق تطورا إلى الأحسن وتحقيق أهداف واضحة ودقيقة لبلوغ تلك الأهداف إلا أن مقاومة التغيير سلوك متوقع فى كل الأحوال يتلازم مع أى عملية تغيير، ويكون أساسا بدافع الخوف من المجهول الذى لو زاد عن الحد المعقول فإنه قد يصيب الإرادة فى التجريب بالعجز أو بالشلل .. وهناك أسباب أخرى للمقاومة لعل أبرزها مايلى :
· إنعدام ثقافة المغامرة والركون إلى أنماط سلوكية معتادة تأتى بنتائج مضمونة تشجع على التكرار دون مجهود إضافى لإعمال العقل أو لتجريب طرق جديدة واستكشاف روافد للعقل لم تكن مطروقة من قبل .. ويصاحب تلك الثقافة خوف من المجهول ومن نتائج ليست مؤكدة ولا مضمونة تدفع إلى التردد وعدم الإقدام أو حتى محاولة إحداث التغيير.
· تهديد المصالح الشخصية لبعض من سيشملهم التغيير .. وقد يكون ذلك دخلا ثابتا ، أو سلطة
ممنوحة ، أو حرية فى الحركة ، أو مكانة نحاول الحفاظ عليها.. وطبيعى بعد ذلك أن من سيتأثر سلبا من جراء التغيير سوف يقاوم حدوثه إما بالمجاهرة وتكوين التحالفات وقوى الضغط للتأثير على صاحب القرار ، أو بالمقاومة السلبية – وهى أخطر – لإعاقة التغيير ووضع العقبات فى طريق من يقومون على تنفيذه .
· الشعور بعدم الأمان ويصاحبه فى معظم الأحيان عدم ثقة فى قيادات التغيير نتيجة لتجارب سابقة ووعود لم تتحقق ، أو إجراءات وقرارات لم يراعى فيها مصلحة الغالبية من الناس أو جاءت على عكس توقعاتهم .. والثقة في متخذ القرار لاتكون أبدا وليدة اللحظة وإنما تبنى على تجارب سابقة على امتداد فترة زمنية تتيح للناس دوام التعامل مع بعضهم البعض ومن ثم المعرفة على أساس وتجارب واقعية .
· نقص المعلومات وعدم الشفافية فى طرح أسباب التغيير وتأثيره ونتائجه يعد من الأسباب التى تزيد المقاومة للتغيير لإن نقص المعلومات يترك المجال واسعا للتخمين وللتفسير الشخصى الذى قد لايكون دقيقا بالضرورة بل يلبى احتياجات شخصية قد لايستطيع المرء أن يحققها فى الواقع فيستعيض عنها بتخيل يظل يجتره ويستعيده فى خياله حتى يتحول إلى يقين يتحكم فى السلوك ويوجهه إلى ناحية المقاومة دون أن تتوافر أسباب قوية لذلك درءا لمخاطر غير محسوبة ترسخت فى يقين الشخص .
· عدم توافر الإرادة للتغيير ، وذلك نابع من خوف الشخص من " تكاليف " التغيير ومن قدرته على الوفاء بتلك التكاليف ومن ثم يركن إلى سلوك قديم اعتاد عليه وجربه ولايحتاج منه إلى اى اختبار يؤكد له ذلك .. وقد تتوافر الإرادة ولكن عدم الإقتناع بضرورة التغيير قد تكون هى العائق ، ولذلك كان لابد من توافر اسباب قوية يقتنع بها من يشملهم التغييروكذلك إبراز المزايا التى سوف تعود عليهم منه لضمان تأييدهم وحماسهم للمشاركة وأداء الأدوار التى سوف تسند إليهم فى عملية التغيير.
· إنعدام روح الفريق والعمل الجماعى وهما دعامتان تحتاجهما أى عملية تغيير لتحقيق "الإلتزام " والتكامل بين أعضاء الفريق لكى يعزفوا معا مثل " أوركسترا " متناغم يكمل العازفون فيه بعضهم بعضا بدلا من العزف المنفرد فيتحول الأمر إلى " دفاع أنانى " يخدم مصالح شخصية أو كسب ذاتى لايؤدى بالضرورة إلى تطور إيجابى بالنسبة للغالبية وليس لعدد محدود من الناس .. ويساعد على ذلك وجود من نسميهم " وسطاء التغيير " الذين يقتنعون بأهداف التغيير ويساعدون قيادات التغيير على إحداثه بما لهم من تأثير على المحيطين بهم .
· وأخيرا عدم توافر القيادات المؤثرة فى عملية التغيير ، والتى قد لاتكون قادرة على إقناع الآخرين والتأثير فيهم لكى يتحركوا نحو التغيير ويقبلوا عليه ، أو قيادات تتجاهل دورها فى القيادة بالقدوة لمزيد من الإقناع ، أو تفتقد إلى مهارات التحفيز لكى تزيد من حماس الناس أو المتابعة لتحقيق أهداف التغيير، أو إتخاذ القرارات التصحيحية والتى تكون لازمة أحيانا لتعديل المسار نحو تحقيق أهداف التغيير.