Thursday, October 23, 2008

حلول عملية لمشاكل تبدو مستعصية


الباحث المدقق فى العلوم الإنسانية المختلفة لابد وأن يلحظ تغيرا جذريا فى السلوك العام للناس فى مصر عما كان عليه من نصف قرن مضى . وإذا كان التطور هو سنة الحياة فإن هذا التطور يقتضى – حين نتحدث عن التغيير – أن يكون هذا التغيير إلى الأحسن ، وهذا بكل الأسى ليس هو الحال فى مصر حيث تأصلت قيم الإحباط والسلبية وإنعدام الوعى العام بالمشاركة المجتمعية والتمحور حول الذات بل والسلوك العدائى العام غير المبرر بين الناس فى كل أنشطة التعامل اليومى ، وكلها من سمات المجتمعات البدائية المتخلفة التى تنفصل عن جذورها الحضارية والثقافية وتزرع بدلا منها نبتا شيطانيا متسلقا ينمو بسرعة مذهلة ليشكل واجهة تخفى ورائها حقيقة الناس ومعادنهم. أنا شخصيا أعتقد أننا نستطيع أن نجمع كل أسباب السلوك السلبى للناس فى سبب واحد رئيسى هو الضعف الشديد الذى أصاب الإحساس بالمواطنة ومن ثم الولاء للوطن الأم . وطبيعى فى هذه الحالة أن يسود سلوك عام من اللامبالاه و "الأنامالية" ينبع من إحساس الناس بأنهم يتحايلون على العيش فى مساحة من الأرض لايملكونها ولاتجمعهم مصلحة واحدة للحفاظ عليها بدليل أن أحدا لم يكلف خاطره بإشراكهم أو استطلاع آرائهم حتى فيما يتعلق بشئون حياتهم وتحقيق الحد الأدنى الإنسانى لشعورهم بوطن يعيش فيهم بدلا من مساحة أرض يعيشون عليها. وليت الحال قد توقف عند هذا الحد ، بل إن بعضنا أصبح يتشفى فى المصائب التى تلحق بالوطن ويكتفى بالفرجة أو إطلاق النكات على فشل الحكومات المتعاقبة فى محاصرة المشاكل ووضع الخطط الجادة والعملية للقضاء عليها. تعالوا نفكر معا فى حلول بسيطة عملية وغير تقليدية للمشاكل التى تحاصرنا وتقف أمامها حكوماتنا عاجزة :
· الناس فى مصر بحاجة إلى أمثلة مضيئة لما يمكن لأى مصرى أن يحققه لو توافرت له الإمكانات اللازمة والمجال المناسب الذى يستوعب جهده . ولقد حقق مصريون مثل أحمد زويل ومصطفى السيد وقبلهم فاروق الباز ومجدى يعقوب وبطرس غالى وسوف يلحق بهم آخرون نجاحات مرموقة تجاوزت حدود المحلية والإقليمية إلى العالمية . المؤسف أن الدولة لاتسلط الأضواء بما فيه الكفاية على الإنجازات المبهرة لهؤلاء المصريين، ومن ثم يستغرق الرأى العام فى مصر فى قضايا فرعية تافهة تصلح مادة مسلية لجلسات النميمة ووقودا لمن يعتقدون أنه لافائدة من أى محاولة للإصلاح . الحل بسيط لو أردنا: لماذا لانضيف إلى مناسباتنا الرسمية التى نحتفل بها يوما نسميه " هؤلاء من مصر " تستضيف – وأكرر – تستضيف فيه الدولة الناجحين من أبنائها وتحتفى بهم رسميا، وتتيح لهم فى إعلامها مساحة تناسب قدرهم وقيمتهم ليعرضوا على الناس قصص نجاحهم ، ويلتقوا بالشباب فى قطاعاتهم المختلفة لبثوا فيهم روح الأمل فى أن لاشيئ مستحيل، ولاشيئ يقف أمام إرادة النجاح ؟ أليس ذلك أجدى ألف مرة من اجتماعات يعقدها الحزب الوطنى ولجنة السياسات يحدث فيها المجتمعون أنفسهم ثم ينفض المولد ولاشئ يحدث بعد ذلك. نحوا السياسيين ولو مؤقتا، واتركوا العلماء يبعثون الروح فى جسد الأمة.
· رجال الأعمال الشرفاء الذين يشكون من تراخى العاملين وقلة إنتاجهم وانعدام ولاءهم، غالبا مايفكرون فى طرق تقليدية لم يعد لها نفس الفعالية والتأثير فى ظل المتغيرات التى نعيشها وارتفاع سقف الطموح لدى الناس فى سباق مع التزايد فى متطلبات الحياة. ماذا لو أصبح العامل شريكا فعليا فى الشركة التى يلتحق بالعمل بها من أول يوم ؟ كيف ؟ يمنح العامل سهما واحدا فى الشركة مع خطاب من رئيس الشركة يهنئه فيها بالالتحاق بالعمل وعن كونه شريكا ينبغى أن يسهم مع غيره من العاملين فى زيادة الإنتاج وجودته وحرصه على نمو الشركة وتطورها. أعتقد أنه لو حدث ذلك – إلى جانب مايمنح للعاملين كحوافز إنتاج – سوف يسهم نفسيا فى استقرار العمالة من جهة ، وفى إحساسهم بالملكية والمشاركة فى القرار. أعلم أن بعض المؤسسات تفعل ذلك بعد عدة سنوات من التحاق العامل بالعمل كمكافأة له على إخلاصه وتفانيه فى العمل، ولكننا هنا ننتظر من العامل أن يثبت ولاءه أولا لكى تثبت المؤسسة التى يعمل بها ولاءها له . الذى أدعو إليه هنا أن نتجنب لعبة البيضة أولا أم الدجاجة ، وأن تثبت المؤسسة حسن ولاءها وإخلاصها للعاملين قبل أن تطالبهم بالثمن تقديرا وعرفانا بالجميل. إن مجرد إلحاق العامل بالعمل ليس معروفا تقدمه المؤسسة له أو لها مادامت فى حاجة إليه أو إليها وتدفع فى مقابل ذلك أجرا محددا، ولاينبغى أن تتنظر من عمالها أن يلهجوا بالثناء والشكر باستمرار تعبيرا عن امتنانهم .
· البرامج والمقررات الهزيلة بمدارسنا وجامعاتنا والتى يرجع إليها الفضل فى تخريج دفعات وأفواج من العاطلين الذين لم يتعلموا شيئا ولايحتاجهم سوق العمل . الأخطر أن هؤلاء الخريجين يعانون من حالة "إنفصام" يجعلهم يعيشون فى شرانق تحتضن أحلامهم وطموحاتهم دون أن "يعايشوا" المجتمع الذى أفرزهم ويجهلون مشاكله التى تشعل فيهم براكين الغضب وعدم الرضا عن الأحوال دون أن يحاولوا تغيير الواقع لأنهم ببساطة لايعرفون لهم دورا يلعبونه يؤدى إلى ذلك ولم يدعهم أحد لذلك . أعلم أن هناك جمعيات تدعى ذلك وبعضها يحاول بإخلاص أن يتيح للشباب مشاركة مجتمعية تحسن من جودة الحياة حولهم وتزيد من فرصهم فى التعايش والتأقلم ، ولكنها جميعا لاتدرك أن البناء الذى يرتفع بغير أساس متين يكن عرضة للإنهيار عند أول اختبار لعاصفة أو زلزال. والأساس الذى أطرحه هنا إضافة مادة دراسية نسميها " المسئولية المجتمعية " تعتمد على الدراسة الحقلية التجريبية أكثر مما تعتمد على تدريس النظريات والرؤى التى تستهوى المنظرين وأساتذة علوم الكلام فى مؤسساتنا السياسية. المادة التى أقترحها سوف تسهم فى إعداد الطالب لكى يكون عند تخرجه مواطنا صالحا مشاركا فى المجتمع واعيا بمشاكله راغبا فى أن يلعب دورا لكى يساعد من غيره فى تطويره ، طالب يتحدث نفس اللغة التى يتحدثها باقى الناس ، وقادر على التكيف مع متطلبات الواقع بل "وتجنيد" غيره لكى يزيد عدد الكتائب التى يحتاجها الوطن لتنفيذ خطط التنمية على أسس واقعية علمية. الشباب طاقة جبارة يمكن بحسن الإدارة والإعداد أن يتحول إلى "طاقة تغيير" ، وفى المقابل يمكن أن تتحول الطاقة إلى قوة مدمرة تقضى على مصدرها أولا ثم تنتقل إلى ماحولها فتحرقه وتلتهمه وتحوله إلى عدم.
· عرفته مواطنا هادئا يجيد الاستماع، يعشق العلم ويسعى إليه ليحصل على الماجستير فى فرع من فروع العلم لايرتبط مباشرة بتخصصه الدقيق ولا بالعمل الذى اختاره ضابطا للشرطة. وتابعت مسيرته الناجحة فى عمله الذى كان يواجه ضغوطه بابتسامة هادئة وثقة كبيرة فى أن كل مشكلة ولها حل. وتوجت مسيرته بأن أصبح محافظا للإقليم الذى ولدت فيه، وتقابلنا كأصدقاء قدامى حين أوفدتنى أحدى الجهات المانحة استشاريا لمشروع لتطوير دورة العمل فى ديوان المحافظة ولمست حب الناس له حين اصطحبنى فى جولة بسيارته فى شوارع المدينة التى ارتبطت فى وجدانى بالرومانسية والحب وحلو الأحلام وإشراقات المستقبل. ومثل كثير من الأشياء الجميلة فى بلدى لم يكمل عاما فى منصبة وتم تغييره، وقيل يومها أن بعض أعضاء مجلس الشعب الذين لم يعجبهم منهجه أن يلتقى بالمواطن مباشرة ليسمع منه ويحل مشاكله دون وساطة ولا استثناءات. وتفرقنا فلم أعد أعرف أين هو حتى قرأت أخيرا أنه يرأس رابطة لأبناء الإقليم الذى كان محافظا له فسعدت أنى يمكن أن أتواصل معه من جديد وأسهم فى عطائه لبلده بما أستطيع من جهد. الكبار لايعبؤون بالمناصب كما قلت فى مقال سابق، بل يستمر عطاءهم مهما تغيرت مواقعهم . ذلك هو الإيمان بقضية تجعل للحياة طعما ومعنى ، وتجعل المرء ينظر إلي الدنيا على أنها أقل قيمة بكثير مما يحسبه من يقبلون الأعتاب طمعا فى منصب أو جاه أو مال.
· قضية السيدات العشرين المحتجزات فى المملكة العربية السعودية يدفعن ثمن الحاجة التى دفعتهن إلى التوقيع على "عقود إذعان وسخرة" ونهبا للاستغلال بما يشبه العبودية لرغبات وأوامر من كانوا يعملون لديها أو "الكفيل" كما يسمونه فى السعودية ودول الخليج، تثير كثيرا من الشجون فى تفريطنا فى حق مواطنينا الذين يهربون من ظروف معيشية قاسية هنا فيقعون فريسة لظروف أقسى فى بلاد الناس دون حماية من الدولة أو ممثليها فى الدول التى هاجروا للعمل بها. لماذا لانقلد الفلبين وكوريا والهند وباكستان فى التعامل مع أمثال تلك المشاكل بأن نقنن العقود الفردية ونبسط عليها حماية الدولة من خلال وزارة القوى العاملة التى ينبغى أن تبلغ سفاراتنا بالخارج ببيانات العاملين بها وإلزامهم الملحقين العماليين أو القناصل بمتابعة هؤلاء والتواصل معهم وإرسال تقارير دورية عن ذلك لوزارتى الخارجية والقوى العاملة، والتصدى لحمايتهم عند وقوع أى ظلم عليهم من قبل أرباب الأعمال ؟ ولماذا لانرفض أن نصدر عمالة إلى الدول التى تصر على نظام " الكفيل " الذى هو السخرة بعينها ويجسد نظاما لاإنسانيا للاستغلال والتسلط ؟

No comments: