Sunday, March 05, 2006

صناعة الاتصالات والتنافس العالمى بين العمالقة



لعل أهم مايلفت النظر بشدة فى موجة الاستثمارات التى تتدفق إلى بلدان جديدة هو أن هذه البلدان لم تتريث حتى تكتمل الإصلاحات الاقتصادية والقانونية الواجبة فى البلدان المعنية، واستطاعت الهند أن تصبح أحد الاقتصادات الأسرع نموا فى القرن الحادى والعشرين بعد أن كان ينظر إليها فى الماضى على أنها قلعة من قلاع اللوائح التنظيمية المنفرة. وكما قلنا قبلا فإن الدول الافتراضية الثلاثة هونج كونج وسنغافورة وتايوان تمثل معا اتجاها جديدا للصناعات التحويلية على مستوى العالم ، وتدشينا لمسار متفرد يجتذب إليه يوما بعد يوم مريدين جددا من بلدان العالم المتقدم. ولايمكن ببساطة النظر إلى انتقال المصانع إلى الخارج على أنه أحد تأثيرات العولمة بل إنه تعبير عن حدوث تغيير تدريجى فى القيمة النسبية لعوامل الإنتاج بين رأس المال المادى والمعلومات حيث تزيد قيمة الأصول غير المادية بمرور الزمن على قيمة الأصول المادية (الماكينات والمرافق الإنتاجية المادية).
إن اليابان التى تبنى مجدها الاقتصادى وتفوقها الكاسح فى المنافسة الاقتصدية على جدارتها الصناعية ، عليها الآن أن تراجع وبسرعة سياساتها حيث فقدت الصناعات التحويلية الأهمية التى كانت لها فى السابق ، وأصبحت الإنجازات تقاس بالتفوق فى مجال الخدمات الابتكارية وخدمات المعلومات بما فى ذلك تصميم المنتجات والبحوث والبرامج الذكية الجاهزة للكمبيوتر. كانت اليابان تسيطر فيما مضى على إنتاج المكونات المادية للكمبيوتر فى الوقت الذى كان العالم فى طريقه إلى اعتماد المكونات غير المادية (برامج الكمبيوتر الجاهزة) أساسا للحكم على الجدارة الاقتصادية، وبينما كانت اليابان تحزر تفوقا فى مجال المنتجات المادية ، كان العالم يتحول إلى المنتجات غير المادية ، ولو كانت قد تحولت إلى الأخذ باستراتيجية لتغليب الخدمات لكان قد أمكن لها أن تتغلب مبكرا على الأزمة المالية الطاحنة التى اجتاحت آسيا فى أواخر الثمانينات ومازالت اليابان بالذات تعانى من آثارها حتى اليوم. إن الصناعة اليابانية تعتبر أن توفير معدل مرتفع من التوظيف المستمر طوال العمر هو إحدى أولوياتها. لذلك تبنى استراتيجياتها على الانحياز لصالح المنتج والعامل المحليين على حساب المستهلك حيث ارتفاع أسعار الغذاء والإسكان والمواصلات والسلع الاستهلاكية داخل اليابان فى الوقت الذى انخفضت فيه المزايا التى يحصل عليها المواطنون العاديون فى صورة الضمان الاجتماعى أو خطط التقاعد وبرامج الرعاية الاجتماعية وإن كان قد ترتب على ذلك ارتفاع المدخرات اليابانية تحسبا لمستقبل غامض.
وإذا أرادت اليابان أن تحصل على وضع " الدولة الافتراضية " أو " الدولة الرأس " فإن ذلك سوف يملى عليها باطراد التنازل عن الصناعة التحويلية المرتبطة " بالدولة الجسم " لصالح بلدان أخرى. ومع اتجاه اليابان على تقليص دورها فى الإنتاج والتخلى عنه ستعم الفائدة كلا من الصين وشرق آسيا ( بما فى ذلك رابطة دول جنوب شرق آسيا) وجنوب آسيا ، وسيسهم هذا التنازل فى شيوع الاستقرار بالمنطقة شريطة أن توافق اليابان على أن تعيد استيراد إنتاجها من مواقع الإنتاج الأجنبية.

النمور الآسيوية والبدائل العملية لتجنب الاستثمارات العالية


ترتكز الاستراتيجية الأساسية التى تتبعها كل من هونج كونج وسنغافوره وتايوان على استغلال المؤسسات الصينية فى انتاج السلع لحسابها، وبذلك تتجنب الاستثمار العالى فى بناء القدرات الإنتاجية الجديدة على أرضها من شراء أراض وتشييد مبان وتركيب الماكينات واستئجار العمالة. عمليا نجد أن هذه الاقتصادات الثلاثة قد توصلت إلى استراتيجية جديدة للتفوق الاقتصادى تعتمد على تقليص حجم المؤسسات كاستراتيجية قومية ، ونقل فائض الإنتاج إلى مواقع فى الخارج ، كما أنها ارتقت بقدرات البحث والتطوير لديها بما يمكنها من تصميم وتسويق منتجات تحتاجها الصناعة فى الخارج. وقامت هذه الدول أيضا بتحديث البنية الأساسية لديها من حيث المرافق التعليمية وشبكة الاتصالات والموانئ والطرق الرئيسية والنقل الجوى وحرصت على تهيئى البيئة المالية المناسبة لاستقبال تدفقات رؤوس الأموال. وفى هونج كونج ، على وجه الخصوص ، نرى أن خدمات التكنولوجيا الراقية تشهد ارتفاعا مضطردا فى قيمتها مقارنة بالصناعة التحويلية. ومع كل نجد أنه - على خلاف اليابان والولايات المتحدة والاقتصادات الأوروبية – فإن النمور الثلاثة لم تنجح بدرجة كبيرة فى أن تجعل العمل ورأس المال فيها أكثر إنتاجية بكثير عما كان ، وينبغى عليها أن تزيد من حجم استثماراتها فى التعليم والبحث والتطوير .
وبالرغم من الأزمة المالية التى عصفت بجنوب شرقى آسيا ، والانكماش الكبير الذى تعرضت له أسواق الأوراق واسواق العملة ، فإن مستقبل هذه النمور الآسيوية النشيطة لايزال مشرقا ويقدر الخبراء أن الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج آخذة فى التزايد حاليا فى سنغافورة وتايوان حيث لم تكن تعانى ضعفا فى العوامل الاقتصادية قبل نشوب الأزمة ، ولم يحدث أن تورط نظامها المصرفى فى تقديم تسهيلات ائتمانية عالية المخاطر ، وبالتالى لم يهتز أمام التفقات الاستثمارية من الخارج او يعانى من آثار سلبية نتيجة لذلك. كما يؤكد الخبراء أن المزيد من جهود البحث والتطوير سيفضى فى النهاية إلى زيادة إنتاجية هذه المدخلات ، ومن شأن النمو فى إنتاجية خدمات التكنولوجيا الراقية أن يؤدة إلى زيادة المنافع المترتبة على الإنتاج فى الخارج من خلال التحالفات الصناعية والاندماجات مع المؤسسات الأخرى.
وقد احتفظت هذه الدول الافتراضية الثلاث داخل أراضيها ببعض القدرات لإنتاج المنتجات النهائية ، وذلك بهدف مساعدة البلدان الأخرى على تمويل وتسويق إنتاجها . وإذا كانت البلدان الثلاثة قد نقلت إنتاجها الأكثر كثافة فى استخدام العمالة إلى الخارج ، فإنها فعلت أيضا ماهو أكثر من ذلك بكثير إذ عكفت على تقديم خدمة استشارية فيما يتعلق بالمستقبل الاقتصادى للدول الأخرى ، كما أن الخبرات المعرفية التى نقلتها لغيرها تفوق فى قيمتها صادراتها من السلع المادية. وقد ساعد على ذلك أكثر من مليون لاجئ صينى تدفقوا على هونج كونج بعد الحرب العالمية الثانية وتولى الشيوعيون للسلطة وفرض المقاطعة الاقتصادية عليها مما جعلها تتخصص فى الصناعات الخفيفة مثل المنسوجات ولعب الأطفال والساعات.

صراع العمالقة ومستقبل التغلغل فى الأسواق

إذا قارنا بين اليابان والولايات المتحدة نجد أنها تبنتا مواقف ذات طبيعة تجارية إزاء العالم الخارجى ، حيث سعى كل منهما إلى تحسين وضعه السياسى عن طريق تعزيز قوته الاقتصادية . تركزت استراتيجية الولايات المتحدة فى التحرك بصورة متزايدة نحو الخدمات الدولية بينما تنقل الإنتاج إلى خارج أراضيها، كما اعتمدت على التحكم فى التدفقات بدلا من الاحتفاظ بأرصدة محلية من السلع. على الجانب الآخر أقامت اليابان استراتيجيتها للتصدير على أساس الحد من تدفقات السلع إلى أراضيها ، كما شجعت التدفقات المتجهة للخارج وليست تلك المتجهة للداخل ولذلك فهى تفتقر إلى رؤوس الأموال والتكنولوجيا، ذلك أنه فى غياب التدفقات الحرة من رؤؤس الأموال إلى داخل اليابان فسيظل الين عملة محدودة الأثر بدلا من أن يصبح عملة عالمية. ويرى خبراء الاقتصاد أن المشكلة سوف تزداد حدة فى المستقبل القريب إذا لم تجد اليابان رأس المال اللازم لتحديث بنيتها الأساسية وتحسين نوعية الحياة لمواطنيها الذين تزداد توقعاتهم ومطالبهم ولن يرحبوا بتحمل أعباء ضريبية جديدة تتحدى حدود قدرتهم على الاحتمال واستعدادهم للتضحية. ومن العريب أن الولايات المتحدة الأمريكية لازالت هى السوق الرئيسية لليابان حتى الآن على الرغم من محاولات اليابان المستميتة لتقليل اعتمادها على تلك السوق واتجاهها إلى بيع منتجاتها فى شرق آسيا والصين لإيجاد أسواق ضخمة بديلة ، ولكنها من جهة أخرى تعتمد اعتمادا شبه كلى على الحماية العسكرية الأمريكية فى وجه الوجود البحرى والنووى الصينى فى بحر الصين الجنوبى.
وسوف تتجه اليابان فى المدى الطويل إلى إنتاج المزيد من السلع فى الخارج بينما تبدى اهتماما أكبر باحتياجات سوقها المحلية ، وسوف يزيد الإنتاج المحلى بالنسبة إلى الصادرات بعد أن تخصص انتاجها من الصناعات التحويلية فى كل من الصين وإندونيسيا والهند للوفاء بحاجة أسواقها المحلية وليس بغرض التصدير للولايات المتحدة الأمريكية. فى المقابل سوف تضطر اليابان إلى استيراد بعض إنتاجها من السلع اليابانية المصنعة فى مواقع بالخارج مثل أوروبا وأمريكا الشمالية والتى تعتمد حاليا على التجميع ولكنها بمرور الوقت سوف تتحول تدريجيا إلى شراء المكونات المحلية ومن ثم تصبح أكثر تنافسية من حيث السعر مع الاحتفاظ بمستوى الجودة العالى الذى يميز المنتجات اليابانية. وسوف تشهد أمريكا تطورا مماثلا حيث ستتجه إلى تصدير الخدمات ذات المكون المعرفى المتقدم إلى كل من شرق أسيا والصين والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية وأوروبا. وفى الوقت الذى تتجه فيه أمريكا إلى الاعتماد أكثر على السلع " غير المرئية " فإنها ستبقى فى حاجة إلى الاستثمارات اليابانية لتساعدها فى تعويض العجز فى معدلات الادخار الذى يترتب عليه عجزا أمريكيا فى رأس المال اللازم للصناعة باعتبارها بلدا مصدرا لرؤوس الأموال بافتتاحها لأسواق عالمية جديدة وتشجيعها للشركات المتعددة الجنسيات والشركات المشتركة والعابرة للقارات.
وإذا نظرنا إلى مصر التى تتمتع بميزة تنافسية عالية يمكن لها أن تستغلها ، ولاتحتاج إلى استثمارات عالية لكى تدخل سوق تصدير البرمجيات ، وصناعة الاتصالات ، فإننا نستطيع أن نستثمر فى تدريب كوادر فنية متخصصة نصدرها كعمالة مدربة مطلوبة باسعار تنافسية للعالم العربى أولا ثم إلى أسواق أخرى فى العالم بشرط إجراء البحوث الدقيقة على تلك الأسواق للوقوف على احتياجاتها ، ومداومة التحديث لمواكبة التغييرات العالمية فى سوق الاتصالات . كذلك تستطيع مصر أن تنشأ شركات لصناعة البرمجيات وأجهزة الكمبيوتر ومعداتها برأسمال مشترك مع الصين والهند وسنغافورة وتايوان من الدول التى تتلهف على إنشاء قواعد صناعية لها فى منطقة الشرق الأوسط .










No comments: