Sunday, March 05, 2006

الفجوة التدريبية بين التطور التكنولوجى والقدرة على الاستيعاب



لايمكن بحال أن تتقدم التكنولوجيا إلا إذا واكب تقدمها تدريب مستمر للناس الذين سوف يتعاملون مع تلك التكنولوجيا المتطورة المتسارعة الإيقاع. لذلك لاأستطيع أن أتصور أن نظل نتحدث فى كل مكان فى العالم عن التطور التكنولوجى فى مجال الاتصالات ونعطيه حقه من التحليل والمناقشة ، ولا نعطى نفس القدر من الأهمية والتركيز على أهمية تطوير العنصر البشرى الذى " سيدير" كل تغيير يطرأ على المستخدم حاليا من وسائل تكنولوجية . أقول ذلك لأنى لاحظت عمليا الفجوة الكبيرة بين التطور التكنولوجى السريع كما قلت وبين استعداد الناس لتقبل التغيير ، وإعداد الكوادر المؤسسية اللازمة لملاحقته والتعامل معه بكفاءة وفعالية.

والذى يعمل فى مجال تطوير الموارد البشرية مثلى يرى ذلك ويلمسه فى كل احتكاك له فى مجال العمل مع القيادات التى يتولى تدريبها والتخطيط لرفع جداراتها ومهاراتها لكى لايصيبها مايسمى " بالصدمة الحضارية " أو إن شيئت " الصدمة التكنولوجية ". ولعلى حين أشارك القارئ بعض التجارب العملية فإن ذلك يسهم فى توضيح المعنى بصورة عملية لاتقبل الاختلاف. لاحظت مثلا أنه فى بعض المؤسسات التى تعنى بدوام تحديث قاعدة معلوماتها أنها تجعل تلك المعلومات متاحة لمن يريدها على شبكة المعلومات التى تنشأها لهذا الغرض للربط بين إداراتها المختلفة وفروعها فى جميع أنحاء العالم أو مايعرف باسم Intranet / Internet ولكنى حين أتناقش مع المديرين فى أمور تهم إداراتهم أجدهم فى بعض الأحيان يجهلونها بحجة عدم توافر المعلومات ، وحين أذكرهم بأن المعلومات التى أتحدث عنها متاحة على شبكة المعلومات الداخلية للمؤسسة التى يعملون بها إفاجأ بالدهشة الشديدة تعلو الوجوه بينما يظهر على وجوه البعض الآخر تعبير ينم عن تذكرهم فجأة أن ذلك صحيح ولكنهم لايملكون "جواز المرور" اللازم للحصول على المعلومات التى يريدونها. فى بعض الأحيان يكون تبريرهم صحيحا ، وفى كثير من الأحيان لايكون كذلك حين يتعللون بأن"كل" المعلومات ليست متاحة ومن ثم فما فائدة سعيهم للحصول عليها إلكترونيا ؟ واضح هنا أن هذا الموقف ينبع من أحد أمرين : إما أنهم يتعللون بهذا لأنهم لايعرفون ، وإما أنهم يريدون "كل" المعلومات ويسعون وراء ماليس لهم حق فى معرفته ، وإما فلا داعى أصلا لأن يشغلوا أنفسهم بالتعامل مع التكنولوجيا ومشاكلها.

رفع القدرة على الاستيعاب مسئولية مشتركة

ولكن الحقيقة المؤكدة هى أنهم لايعترفون بالحق فى تقسيم الحق فى الحصول على المعلومات طبقا لما يسمى فى علم الإدارة " بالحق فى المعرفة " أى المعلومات التى ترتبط بنوع العمل والتى لايمكن للموظفين على اختلاف درجاتهم الوظيفية تحقيق الأهداف المطلوبة منهم ، أو أداء مهامهم الوظيفية بالمستوى المطلوب مالم يحصلوا عليها . الناس تسعى إلى مناطق لايمكن أن تكون بطبيعتها متاحة للجميع داخل المؤسسة مثل مرتبات الموظفين مثلا أو الدرجات الحاصلين عليها فى تقارير قياس الكفاءة أو الجزاءات التى وقعت عليهم بسبب الإهمال . تلك جميعها معلومات تأخذ طابع الخصوصية ولايحق لأحد الاطلاع عليها إلا الموظف نفسه ورؤسائه المباشرين والقائمين على شئون العاملين الذين يتولون تنفيذ السياسات والنظم والتنسيق فى الشئون المتعلقة بتنمية الموارد البشرية، ولايجوز استخدام تلك المعلومات إلا داخل الشركة لأغراض تتعلق بتحسين أداء الموظف ورفع كفاءته ومعالجة المشاكل المتعلقة بأسلوب الإداء. إذن الناس هنا يجهلون " حدود حقهم فى المعرفة " لأن أحدا لم يهتم بأن يشرح ذلك ويتأكد من فهم المستخدمين لمعنى مستويات الحصول على المعلومات وأسباب حظر بعض المعلومات على مستويات معينة لأنها لاتهم عملهم.

فى حالات أخرى لاحظت أن المديرين ينكرون توافر تعليمات العمل ، وتعليمات التشغيل ، والإجراءات النمطية للنشاطات المختلفة التى يشرفون عليها داخل المؤسسة على الرغم من توافرها كذلك بنفس الطريقة التى تحدثنا عنها. بل أن كثيرا منهم يجهل المعنى الدقيق للتعريفات التى تحكم بعض النشاطات الهامة مثل " تقييم الأداء " للموظفين حيث يخلط بعضهم بين تعريف " الممتاز " وتعريف " الجيد جدا " وهما تقديرات لايمنحان إلا للموظفين الذين يتجاوزون الأهداف المطلوب منهم تحقيقها "كل أو معظم الوقت". والذى أدهشنى أكثر أنه على الرغم من الشعبية الكاسحة للبريد الإلكترونى فى داخل مؤسسات اليوم ، واستخدامه بصفة دائمة ومستمرة فى " التواصل " بين فرق العمل المختلفة ، إلا أن كثيرا من المديرين لايستغلون تلك الوسيلة إلا على نطاق محدود لإرسال وتوزيع المعلومات التى تطلب منهم فقط ، وليس بغرض متابعة الأعمال مع موظفيهم داخل الإدارة الواحدة – لاسيما إن كان هناك فروع متعددة للمؤسسة – أو مع الإدارات الأخرى داخل المؤسسة التى تربطها بإداراتهم مهام مشتركة. بعضهم يحس بالإهانة من تلقى رسالة ألكترونية لمتابعة موضوع تأخر أو للسؤال عن مهمة لم تتم ، ويفضلون دائما إما الحديث بالتليفون أو الزيارة الشخصية التى قد لاتكون متاحة فى كثير من الأحيان. وعلى الرغم من كل ذلك ، أصبح الحصول على جهاز كمبيوتر شخصى مطلبا ملحا لكل مديرى المؤسسة : ربما لأن ذلك يعد من قبيل التميز وإضفاء نوع من الأهمية على من تقرر الشركة منحه جهازا شخصيا أكثر منه لمواجهة الحاجة إلى المعلومات بصفة شبه دائمة وأهمية ذلك بالنسبة لأداء العمل. ولعلى هنا أؤكد أن ذلك لاينفى مسئولية الموظف عن السعى الدائم إلى تحسين قدراته الشخصية عن طريق المحاولة الذاتية والاطلاع والاستفادة من الفرص التى تتيحها له المؤسسة عن طريق التدريب.

السباحة فى مياه صعبة مع سمك القرش

المؤسسات ايضا – ربما خوفا من سوء الاستغلال – تضع قيودا صارمة على دخول موظفيها على الإنترنت ، على الرغم من أهمية أن تنتشر ثقافة " السعى للحصول على المعلومات " من مصادرها بين الموظفين ، والمديرين منهم على وجه الخصوص ، ومدى إسهام ذلك فى تنمية وعى الموظف بالسوق العالمى وآفاقه، وتوسيع مداركه، وتشجيعه على التفكير والابتكار. وكأننا هنا قصرنا استخدام التكنولوجيا المتقدمة فى نطاق محلى بحت ، وأغلقنا باقى نوافذ المعرفة فى وجه من يريدها من موظفينا بسبب عدم الثقة التى تفترض دوما أن الموظف سوف يسيئ استخدام الحق الممنوح له مما يكبد المؤسسات خسائر فادحة ، فى حين أن المؤسسات لو اعتمدت جزءا من ميزانيات التدريب لديها لهذا الغرض لحصلت فى مقابله على عائد عال ينعكس على أداء الموظف من حيث الجودة والإنتاجية ، أى كما وكيفا معا. وفى أحوال أخرى لاحظت أن إيمان الموظفين بمبدأ " تبادل المعلومات " بين فرقاء العمل ضعيف ، وأن بعضهم – أحيانا من نفس فريق العمل أو المستوى الوظيفى الواحد - يعرف ولكنه لايشارك الآخرين فيما حصل عليه من معلومات ، أو حتى فى مصادر المعلومات، وأنه ليس هناك التزام بذلك تجاهه ، بل إنهم يعتبرون ذلك اجتهادا شخصيا من قبلهم على الآخرين أن يحذو حذوهم فيه.

إن المؤسسات حين تتجاهل أهمية التدريب فى تعريف تعويد الناس على استبدال الطرق التقليدية فى أداء الأعمال بتسخير التكنولوجيا ، ومزايا الاستفادة من ذلك من حيث السرعة والكفاءة والفعالية ، إنما ترسخ لديهم الشعور التقليدى بالخوف من إمكانية الاستخدام السليم ، أو الفشل فى التأقلم مع التغيير ، أو تفاديا للانتقاد نتيجة للمقارنة بينهم وبين الآخرين فى مستوى الاستخدام وكفاءته . ولكن الخطأ الأكبر فى نظرى هو أن المؤسسات – حين لاتعنى برصد الموارد اللازمة لتدريب موظفيها فى هذا المجال – إنما ترفع بذلك من سقف خسارتها للوقت ومستوى الجودة فى الأداء والسرعة فى تبادل المعلومات الخاصة بالأسواق التى يعملون بها مما يقلل كثيرا من فرصها فى المنافسة وفى فتح أسواق جديدة . لابد أن تعى المؤسسات أن توسيع قدرة موظفيها على استيعاب التكنولوجيا المتطورة عن طريق التدريب المستمر والتوعية الدائمة أصبح سبيلا لايمكن لها تجاهله إذا أرادت أن " تسبح مع أسماك القرش " فى عالم الأعمال القاسى بمقاييس هذا الزمان



No comments: