Tuesday, February 03, 2009

إصلاح فساد التعليم فى مصر : روشتة إنقاذ

تناولنا فى سلسلة من المقالات أوجه الفساد المستشرى فى جسد التعليم العالى فى مصر .. بضاعة فسدت وانتهت صلاحيتها ولم تعد تصلح للإستهلاك الآدمى ، وتناولنا بالتحليل عناصر العملية التعليمية من نظام القبول إوالكثافة العددية للطلاب إلى البحث العلمى والكتاب الجامعى إلى نقص المناخ والبيئة الملائمة للإبداع والإبتكار إلى استقلال الجامعات وكرامة الأساتذة ، وكلها تصب فى خانة فساد العملية التعليمية برمتها . وعلى الرغم من أن كل مقال احتوى على أوجه النقص التى لم تعد خافية إلا على الذين يتولون صنع القرار بوزارة التعليم العالى ومعها اقتراحات محددة للإصلاح إذا توافرت النية لذلك ، إلا أنى سوف أخصص هذا المقال لإجمال الإقتراحات تعميما للفائدة وتأكيدا على الدعوة فى أن يتناول أصحاب المصلحة الحقيقيون وليسوا المدعين من هيئة المنتفعين ببقاء الحال على ماهو عليه فى إصلاح التعليم العالى فى مصر. أدعو زملائى أعضاء هيئة التدريس فى كل الجامعات لمناقشة الإقتراحات التالية واستخدام كل الوسائل المشروعة المتحضرة لكى يتم التغيير والإصلاح والتطوير الذى ننشده .
· أن يظل ملف التعليم مفتوحا وأن تعترف الدولة بشجاعة أن التعليم فى مصرقد وصل إلى مرحلة متأخرة لم يعد يجدى فيها مسكنات الألم ولابد من مبضع جراح متمكن لكى يزيل كل مايستطيع من أورام خبيثة تحاصر جسم الأمة . هذه خطوة أولى لابد منها لكى نبدأ مشوار إصلاح فساد التعليم ، وهو مشوار يزيد كثيرا عن الألف ميل التى يضرب بها المثل فى أى رحلة طويلة للتغيير. يلى ذلك أعطاء قضية التعليم أولوية أولى باعتبارها قضية أمن قومى وتعظيم لأهم موارد الدولة فى التنمية من خريجين مؤهلين وعلماء قادرين على تحمل أعباء التنمية والتحديث . وإذا كان هناك ظل من شك فى كل ماأثرناه فليتحمل نواب الشعب مسئولياتهم ويشكلوا لجنة لتقصى الحقائق للوقوف عن مستوى رضاء أعضاء هيئة التدريس عن الوزير وسياساته والنتائج التى تحققت فى عهده وماصرف على المشروعات التى لاتزال مفتوحة والتى سوف تستمر عشوائيا كسابقاتها.
· فصل وزارة البحث العلمى عن وزارة التعليم العالى فذلك يفوق بكثير إمكانات أى وزير ويحط من شأن البحث العلمى . ولعل العاملين فى المطبخ السياسى يعلمون كيف إتخذ القرار بجعل وزارة البحث العلمى وزارة دولة ، وكيف أن أحد وزراء التعليم العالى السابقين رفض أن يتولى تلك الوزارة لصغر شأنها وقيل وقتها فى كواليس الحزب " نعم .. وزارة البحث العلمى لاتليق بالدكتور فلان " . هذه الوزارة تعتبر الأساس فى مستقبل التنمية فى مصر ورفع مستواها وتخصيص الموارد اللازمة لها من قيادة علمية تحظى باحترام وتقدير الهيئات العلمية ومراكز البحوث يعكس جدية النظام فى خطط التنمية المعلنة . ولعلنا نتعلم من الرئيس الأمريكى الجديد الذى كان من أولوياته أن يعين عالما حاصلا على جائزة نوبل مستشاره للبحث العلمى استجابة لتوصيات العلماء الذين ناشدوه أن يجعل البحث العلمى من أولى أولوياته . يحدث ذلك فى دولة تحكم العالم ، ولكننا هنا نتصرف كما لو كنا لانحتاج إلى علماء ولا بحث علمى .
· أن تطور الوزارة خطة استراتيجية للتعليم للعشر سنوات القادمة على الأقل مقسمة إلى مراحل بأهداف محددة قابلة للقياس . ونؤكد أن مثل تلك الخطة لاوجود لها ، أى أن أمور التعليم العالى فى مصر تتم عشوائيا وبأسلوب " إطفاء الحرائق " وليس التخطيط العلمى الدقيق ...عيب أن تعمل الوزارة المسئولة عن التعليم العالى والبحث العلمى بطرق عشوائية وبردود الأفعال لنظم يضعها الجالسون فى المكاتب من المستفيدين ببقاء الحال على ماهو عليه والذين لايمكن أن يتم تطوير أو إصلاح حقيقى فى ظل وجودهم حول الوزير فهم لايملكون الرؤية ولا الإمكانات لمرحلة الثورة العلمية التى ننشدها . ونتحدى أن تكلف الحكومة مركز بحثى مستقل يقوم باستقصاء لآراء الجامعات يرصد ويقيس الصورة الذهنية الكريهة لهؤلاء الناس والأسباب وراء الكراهية التى يحظون بها. ولابد للوزارة أن تنشئ قطاعا أو إدارة عامة للتخطيط الاستراتيجى بدلا من "الوحدة" الموجودة حاليا باثنين من صغار أعضاء هيئة التدريس يرأسهم أحد مستشارى الوزير وهم بحكم سنهم وتواجدهم فى ديوان الوزارة لايؤدون إلا أعمالا إدارية لايمكن أن تكون تخطيطا إستراتيجيا للتعليم العالى فى مصر ولايملكون أدوات توجيه سياسة التعليم ولا الرقابة على أداء الجامعات أِو التنسيق بين الجهات والهيئات العاملة فى مجال تطوير التعليم .
· تحديد دور كل جهة وهيئة فى الدولة إنشئت لكى تساعد فى عملية تطوير التعليم العالى التى لايجمعها حاليا " خطة استراتيجية " بكل مكوناتها العلمية كما وضحنا فى مقالاتنا ولم يهتم أحد بالرد بغير ذلك مما يثبت ماذهبنا إليه وكررناه ويندى له الجبين خجلا من أن تكون تلك هى الطريقة التى نتعامل بها مع موضوع بالغ الخطورة مثل التعليم . الوضع الحالى ينذر بكثير من الكوارث والعواقب الوخيمة نتيجة للقرارات العشوائية التى تتخذ وبعضها مكرر تضيع فيه الموارد دون عائد ، ونظرا للعبة " توازن القوى " التى يركز عليها كل من يجلس على الكرسى ويدافع عنه حتى " آخر نفس " .
· وضع منهج لاختيار القيادات الجامعية ، وتغليب المصلحة الوطنية على " شهوة " تقسيم الكعكة على أهل الثقة ممن لاتؤهلهم إمكاناتهم العلمية والشخصية لتولى القيادة . والبداية هنا فى مقر الوزارة نفسها حيث تفتقد إلى الأجهزة المؤهلة اللازمة لقيادة وإحداث التغيير . وكذلك العودة إلى نظام انتخاب رؤساء الجامعات والعمداء حتى تسترد الجامعة حقها فى تسيير أمورها ويختار الأساتذة من يمثلهم ويعبر عن مصالحهم لا من يدافع عن الكرسى ومزايا المنصب . يكمل ذلك الإنصياع لحكم القضاء وإلغاء الحرس الجامعى الذى لايوجد له مثيل فى أى جامعة فى العالم وتحرير الجامعات من سلطة الأمن فى التعيين والترقية والنقل والإنتداب والإبتعاث التى تحكمها جميعا . يلى ذلك إلزام الجامعات بتطوير خططها الإستراتيجية خلال عام على الأكثر ، وإطلاق يد رؤساء الجامعات فى الإستعانة بالخبراء المناسبين لتحقيق ذلك حيث تفتقد الجامعات حاليا للكوادر القادرة على عمل تلك الخطط.
· إن يصدر قانون بأن تكون " الهيئة القومية لضمان الجودة والإعتماد " هيئة مستقلة وأن تنقل تبعيتها إلى رئيس الدولة بدلا من رئيس الوزراء فلا يعقل أن تكون الحكومة خصما وحكما فى نفس الوقت : هى التى تخطط وتنفذ وبالمرة تقوم بالتقييم ومنح الإعتماد (وزير التعليم العالى صاحب صفة رسمية فى توجيه أعمال الهيئة) وإعادة تشكيل مجلس إدارة الهيئة وتشكيلاتها المختلفة لكى تصبح تمثيلا حقيقيا لأصحاب المصلحة والعلماء والخبراء بدلا من مجموعة الموظفين من المحاسيب والهواة . وأسألوا د/ حسام بدراوى عضو لجنة السياسات والذى تبنى الفكرة وشارك فى صياغة مشروع القانون وكان يوما ما مرشحا لتولى الهيئة عن النص الأصلى لمشروع القانون فيما يختص بتبعية الهيئة . إسألوه عما تغير فى القانون ، ولماذا لم يتم تعيينه أو رفض أن يكون رئيسا للهيئة التى كان يعتبرها إنجازا شخصيا هاما.
· تشكيل لجنة محايدة على أعلى مستوى من الشخصيات العامة والعلماء والخبراء لمناقشة مشكلة الكتاب الجامعى واقتراح البدائل للنظام الحالى الذى يغبن حق الأساتذة من جهة ولايعوضهم عن الجهد الذي يبذلونه فى التأليف ولايمثل حافزا مقبولا لكى يداوموا على البحث وتحديث كتبهم تبعا لذلك . الكتاب الجامعى يحتاج إلى دعم إذا أصررنا على مجانية التعليم بشكلها الحالى ، ونظرة واحدة على الكتب الجامعية الواردة لنا من الخارج والتى نقررها على طلابنا فى الجامعات الخاصة (ممنوع أن يقرر الأساتذة كتبهم على الطلاب ) كفيلة بأن نرى الفارق الشاسع بين تلك الكتب وكتب أساتذتنا من حيث المادة العلمية والشكل والمضمون وجودة الطباعة وجاذبية العرض ومكملات المادة العلمية من أقراص مدمجة لكل من الأستاذ والطالب وبنك للأسئلة والحالات العملية .
· تعديل القانون 101 لسنة 92 بإنشاء الجامعات الخاصة والجامعات الأهلية لرفع يد الوزارة عن التعليم الخاص والأهلى فهى متنفس لمن يريد تعليما بمصروفات يستطيع أن يسددها ولو بالتقسيط ، والتوسع فى التعليم عن بعد والتعليم المفتوح لكل الكليات النظرية. ويقتضى ذلك تحديث المناهج الدراسية وإتاحتها إلكترونيا للطلاب للحد من الكثافة الرهيبة التى تعانى منها الجامعات وتخنق عملية " التعلم " وتنحو بالتعليم ناحية " حشو الأمخاخ بالمعلومات " السطحية التى لاتؤهل خريجا يستطيع أن يستخدم ماتعلمه فى أى عمل يلتحق به ، هذا إذا وجد عملا من الأساس .
· إحترام آدمية الطلاب وحقهم فى اختيار مايدرسون ، وإلغاء النظم البالية للوزارة فى قبول الطلاب والمفاضلة بينهم ، واحترام آدمية الأساتذة فى العمل فى بيئة تحقق على الأقل الحد الإدنى لكرامة المهنة التى يشرفون بها . رواتب أعضاء هيئة التدريس بحاجة إلى مراجعة دون مساس بكرامتهم ( الوزير يطنطن أحيانا فى أجهزة الإعلام بحالات فردية لأعضاء هيئة تدريس يسيئون التصرف ويعميه التعميم والإدراك المشوه فيتعامل مع كل الأساتذة على أنهم عمال مصنع مشاغبين يرفضون أن يربطوا الأجر بالإنتاج . الوزير مبتلى بمستشارى السوء وغرور المنصب .
الوعود التى سمعها أعضاء هيئة التدريس من الوزير لم ينفذ منها شيئ ، والشكوى مستمرة من صلاحيات تمنح لاوجود لها فى القانون‘ ومطالبات على استحياء برفع المرتبات إبقاء على كرامة المنصب يتم تجاهلها . إنصب اهتمام الوزير فى الإصلاح على إثبات حضور وانصراف أعضاء هيئة التدريس وملئهم لاستمارات "مضروبة" تفيد قضائهم 28 ساعة أسبوعيا فى أنشطة وهمية يعلم الوزير قبل غيره أنها لم تتحقق . وجود مبرر حتى ولو كان مزورا لزيادة دخل أعضاء هيئى التدريس وليس جودة العملية التعليمية أصبحت هى محور اهتمام الوزير وأجهزته. لذلك أقول لكل أصحاب المصلحة فى إصلاح فساد التعليم بأننا مطالبون بألا نجلس فى مقاعد المتفرجين نكتفى بمراقبة العرض ثم ينصرف كل منا إلى حال سبيله. لدينا العديد من القنوات الشرعية لإحداث التغيير ، ولعل ماطرحته من أفكار للمناقشة يمثل اختبارا جادا للمجالس التشريعية التى من واجبها أن تتقصى الحقائق ، وللحكومة لكى تبرهن على أنها حكومة الشعب وليست حكومة النخبة التى لايهمها كثيرا أن تخوض فى مشكلات قومية شائكة مثل التعليم ، وتكتفى بالتعامل السهل من باقى القضايا من على السطح دون أن تلطخ يديها بتراب الأرض أو تعفر وجهها بالهباب الذى يلف مصر من الإسكندرية إلى أسوان .

العلاقة بين "ثقافة الساندويتش" والرغبة فى " التعلم "


كثيرا ماأتوقف أمام ظاهرة الفردية فى التعامل اليومى بين الناس فى مصر ، وأتساءل عن الجذور فى تلك الظاهرة وفى السبب الذى يجعل أى عمل جماعى منظما شبه مستحيل سواء أكان هذا العمل رسميا يتعلق بنوع العمل الذى نؤديه أو غير رسمى يتعلق بحياتنا وعلاقاتنا الإجتماعية وتعاملاتنا اليومية .. إكتشفت اكتشافا مذهلا أيقنت أنه السر وراء سلوكنا الأنانى المفرط فى الفردية .. هذا هو ماأسميه " بثقافة الساندويتش " .. مامن مصرى لايذكر وهو صغير شنطة المدرسة ومحتوياتها ومن بينها ساندويتش تعده الأمهات لكى يتناوله الأبناء خلال أوقات الراحة بين الحصص الدراسية .. كان الساندويتش على مايبدو هو أهم محتويات الشنطة .. أهم بكثير من الكتب والكراسات والأدوات الدراسية ، ولذا فقد كانت النصائح التى نتلقاها قبل الذهاب إلى المدرسة فى الصباح تتركز على الساندويتش وكيفية الحفاظ عليه والدفاع عنه ضد أى معتد يستهدفه بسوء ، وضرورة تناوله دون أن يشاركنا فيه أحد .. ويكون أول مايسأل عنه الطالب لدى عودته من المدرسة هو الساندويتش وليس مستوى أدائه أو الدرجات التى حصل عليها فى الفصل . ترسخ فى أذهاننا إذن نوع من الأنانية فى التعامل مع الأشياء التى يمكن أن تكون وسائل للتواصل الإجتماعى والمجاملات والرغبة فى التعارف على الآخرين الذين ينظر إليهم طبقا لثقافة الساندويتش بأنهم غزاه كل همهم التآمر على صاحب الساندويتش والتخطيط للإستحواز عليه . ثقافة الساندويتش هذه تجعل كل واحد فينا جزيرة منعزلة يفكر وحده ويخطط وحده وينفذ وحده ، ويبدأ بالشك فى الناس إلى أن يثبت العكس ، ويفضل دائما أن يتحمل مسئولية قراراته وحده دون انتظار لمشاركة من أحد . وفوق هذا وذاك الإنعزالية واللامبالاة بشئون الغير حتى لو كانوا مواطنين تجمعنا بهم مصالح مشتركة سواء فى مكان العمل أو فى العمل الأهلى التطوعى أو فى مواجهة المشكلات التى يعانيها الوطن الواحد الذى نسكنه . ولابد أن ينعكس هذا بدوره على استحالة أن نجمع على رأى فى المسائل التى تهمنا على المستوى الشخصى والقومى والإقليمى والدولى وجميعها يحكمها مصالح مشتركة بين الأفراد والدول لايمكن أن تتخذ القرارات بشأنها دون تعبئة لكل أصحاب المصلحة وضمان لموافقتهم وتأييدهم حتى تكتسب القرارات شرعية تسمح بتطبيقها .

أحاول فى طريقة إدارتى للفصول الدراسية التى أقوم بالتدريس فيها أن أواجه تلك الظاهرة السلبية المدمرة التى تجهض كل عمل جماعى بأن أقترح على طلابى فى الدراسات العليا – وجمعيهم يحتلون ماصب تنفيذية - فأدير الفصل كما لو كان مؤسسة أقوم برئاستها والطلاب هم المديرون الذين يتولون إدارتها بتفويض منى . وما أن أقترح عليهم أن يتطوع عدد منهم لكى يشكلوا مجموعات عمل من زملائهم يخارونهم بأنفسهم لكى يعملوا معا على الحالات العملية التى أكلفهم بها كجزء من دراستهم حتى يرتبكوا ويحتاروا ويسرون إلى بأن الأفضل أن أقوم أنا " بتعيين " قادة المجموعات وأعضاء كل مجموعة . وحين أطلب من أحدهم أن يتولى دور ظابط الإتصال بينى وبين باقى الطلاب فى حالة ماإذا أردت إبلاغهم بشيئ يتعلق بدراستهم أو أقترح عليهم قراءة بعض المراجع أو زيارة مواقع تساعدهم فى بحوثهم مستخدما فى ذلك الإتصال الإلكترونى فلا يتطوع أحد حتى ألح فى الطلب وأصر عليه كجزء من التطبيقات العملية لعلم الإدارة الذى أدرسه لهم . نفس المواقف تتكرر حين أطلب من رؤساء المجموعات منهم الإتفاق على موعد بدء المحاضرات بشرط إلتزامهم بالموعد الذى يتفقون عليه وأن يتفقوا مع زملائهم على التواريخ الملائمة لكى أقوم باختبارهم بدلا من أن أفرضها عليهم محاولا أن أكون ديموقراطيا من ناحية ، وأن يتعودوا التشاور واحترام إرادة الآخرين من جهة أخرى فأجد أن معظمهم عند أول تجربة يفشلون فيها فى الحصول على إجماع يرضى عنه الجميع يطالبوننى بأن أفرض التواريخ التى تناسبنى أنا وسوف يلتزمون بها.. المعنى هنا أن طلابى من طبقة المتعلمين والتنفيذين يفضلون أن " يفرض " عليهم القرار من أن يشاركوا في صنعه .. وهم بهذا يساهمون دون أن يدروا فى خلق ديكتاتورية القرار الملزم ويلغون بالتدريج آراءهم الشخصية حتى فى الأمور التى تتصل مباشرة بأمور حياتهم وعملهم ومستقبلهم العلمى ولايجدون غضاضة فى ذلك .. وحتى حينما أقسم درجات البرنامج وأخصص جزءا منها للحضور والمشاركة فى المناقشات التى أديرها حول النظريات العلمية التى يدرسونها فإن بعض الطلاب يجدون صعوبة بالغة فى الإشتراك فى النقاش ، وبعضهم يفعل ذلك على استحياء لكى يزيد نصيبه من الدرجات .. الغالبية من الطلاب تعتقد أنها ينبغى أن تحصل على الدرجات النهائية المخصصة للحضور والمشاركة لمجرد حضورهم وعدم تغيبهم عن أى محاضرة .. ظاهرة تحتاج إلى مزيد من الدراسة .

التحدى الآخر الذى أواجهه حين أريد أن أشجع طلابى على التفكير الغير نمطى والتعبير بحرية عن آرائهم وتبريرها علميا فأواجه بمقاومة عنيفة ومحاولات مستميتة لكى أقصر أسئلتى فى الإمتحانات والاختبارات التى أعقدها على المقرر دون غيره وعلى الأسئلة النمطية التى يجدون إجابتها فى الكتب المقررة عليهم . يخافون من الخطأ ، ويتجنبون المغامرة ، ويلتزمون بالنص .. معظمهم يشكون من كثرة المعلومات التى تتوافر لهم وهى نعمة كنا محرومين منها قبل ثورة المعرفة التى نعيشها الآن ويسألوننى كيف يستذكرون دروسهم .. يريدون حبوبا للمعرفة يبتعونها دون جهد ودون تفكير .. وهم فى هذا معذورون لأنهم فى نهاية الأمر نتاج نظام تعليمى فاسد تناولناه بالشرح والتحليل فى سلسلة مقالات سابقة . طبعا هناك طلاب " يغامرون " بالتعبير عن آرائهم والدفاع عنها ويؤيدون ذلك بأمثلة واقعية من الحياه أو من بيئة العمل كما أطلب منهم ، ولكن الغالبية منهم نتاج ثقافة مجتمعية لاتشجع على التفكير والمشاركة والبحث .. لم يحدث أن طلب أحد منهم تحليل ظاهرة ولو بسيطة أو جمع معلومات عن موضوع أو المشاركة فى التفكير فى حل مشكلة ما تتعلق بدراستهم ويمكن تطبيقها علىالواقع .. ولم يساعدهم أحد فى محاولة تطبيق ماتعلموه على حياتهم الشخصية أولا ثم على حياتهم العملية بعد ذلك .. القراءة الحرة بالنسبة لهم عبء ومشقة وتكليف يتمنون تجنبه واستبداله بملخصات يرجعون إليها سريعا بإجابات تلغرافية يحفظونها ويسترجعونها عند السؤال . . كنا نكلف ونحن فى المرحلة الثانوية أن نكتب رأينا فى موضوع ما يحدده أستاذ اللغة العربية فى حصص "التعبير" وعلى الرغم من أن الغرض الأساسى كان قياس القدرة على استخدام اللغة فى التعبير إلا أننا كنا نقوم بشيئ من البحث يتناسب مع تلك المرحلة من العمر والدراسة والإستقرارعلى بعض الأفكار التى نبنى عليها الموضوع .. وأذكر أيضا أن أساتذة المواد العلمية كانوا يسمحون لنا بإجراء بعض التجارب العلمية البسيطة فى المعامل التى كانت جزءا من العملية التعليمية فى ذلك الزمان .. وحين التحقنا بالجامعة اشتركنا فى العديد من الأنشطة وفى تحرير مجلات الحائط ومجلة الجامعة .. نفس ماكنا نفعله فى المرحلة الثانوية بشيئ من التوسع وكثير من الفهم وحرية الإختيار. ولاشك أن كل ذلك مما حرم منه الأجيال اللاحقة لنا كانت تمثل بذور الرغبة فى البحث والنهم إلى المعرفة التى استكملنا بها مسيرتنا فى الحياة .
أما أصعب التحديات التى أواجهها أحيانا والتى ورثتها الأجيال الثلاثة السابقة نتيجة لأفظع الجرائم التى ارتكبت فى حق الوطن ولم يحاكم أحد بسببها حتى الآن رغم أن الفاعل ليس مجهولا وأعنى بها إفساد وفساد التعليم .. اعتاد الطلاب أن يحصلوا على 100% وأحيانا أكثر من الدرجات ، ولذلك حين يحصل أحد طلابى فى الدراسات العليا على أقل من "ممتاز" فإنه يأتى إلى شاكيا أنه " أجاب بكل مافى الكتاب " ولم يحصل على مايستحق ، والمفزع أن لايكون الطالب قد أجاب حتى بما فى الكتاب المقرر– وهو بالنسبة إلى الحد الأدنى من المعرفة – فيحصل على درجة متدنية تتوافق مع إجاباته فيأتى إلى طالبا أن أشرح له أوجه التقصير لديه دون أن يكلف خاطره بأن يقارن ورقة إجابته بطالب أو طالبة أخرى حصلت على تقدير أعلى ، وهو ماأنصح به دائما حتى " يتعلم " الطلاب أن يجهدوا أنفسهم فى معرفة الحقيقة من جهة وتصيبهم الغيرة من الأكثر منهم اجتهادا من جهة أخرى وتأصيلا لقيم العدالة حين يكتشف الطالب بنفسه تطبيق المعايير دون محاباة لأحد ويقتنع بأنه لم يصل بعد إلى المستوى الذى يؤهله لكى يحصل على تقدير أعلى .. أكبر جريمة نعانى منها الآن أن أصبحت العملية التعليمية "حشوا" للعقول بالمعلومات دون أن تتحول إلى " تعلم " من خلال تطبيق العلم على الواقع والتعلم من خلال التجربة والخطأ .
أقدم تجربتى الشخصية فى إدارة الفصل الدراسى لزملائى من الأساتذة وأطرحه للمناقشة كبديل للطرق التقليدية التى يتبعها معظمنا والتى تؤصل مااعتاد عليه طلابنا فى مراحل التعليم ماقبل الجامعى لكى نغير معا نمط استقبال الطلاب للمعلومات التى نعطيها لهم ، وكيف يستفيدون منها ويهتدون إلى الوسائل التى تتيح لهم تطبيقها عمليا . فى اليابان يقوم النظام التعليمى بأكمله على نظام الأسر العلمية التى ينتمى إليها الطالب فى مراحل التعليم المختلفة ، يستذكرون معا ويجلسون فى مجموعات يختارون لكل منها إسما وتوجه الأسئلة للمجموعات فيتشاور أعضاؤها عمن يملك أحسن إجابة تضمن للمجموعة كلها درجة عالية .. والغريب أنى وجدت ذلك مطبقا فى عدد من المدارس الإعدادية النموذجية – نعم الإعدادية - فى السعودية التى قمت بزيارتها منذ عدة سنوات مع بعض الأصدقاء هناك . وأدهشنى أن المدرسين فى تلك المدارس يستخدمون الوسائل السمعية والبصرية الحديثة فى التدريس والتى تخلو منها أكثر من 95 % من القاعات فى جامعاتنا العريقة عمرا والمتأخرة محتوى . حققت السعودية ودول الخليج تقدما مذهلا فى نظامها التعليمى كله بما فى ذلك التعليم العالى ، وفعلت فى أقل من ربع قرن مالم نفعله نحن فى قرن من الزمان هو عمر أقدم جامعاتنا بفضل إستمرار التخريب دون رادع للنظام التعليمى عندنا .