Tuesday, July 10, 2012

التطوير وشجاعة إتخاذ القرار


مصر أقدم حكومة مركزية فى التاريخ، والحكومات المركزية بطبيعة تكوينها تعتمد على البيروقراطية لتسيير أمورها ولإحكام السيطرة على التزام رعاياها بما يصدر عن الحكومة من نظم وتعليمات لم يشاركوا فى صنعها وبالتالى ليس لهم الحق فى انتقادها ولا نقضها..والعلم يخرج علينا كل يوم بالجديد فى تأثير الجينات ليس فقط على جسم وصحة الإنسان ولكن على سلوكه وطريقة تفكيره وموقفه العام من الحياة والناس، ولااستبعد أن نكتشف يوما أن "جينات مقاومة التغيير" قد أصابت المصريين بالعقم وسلبت إرادتهم لقرون طويلة باستثناء الثورات التى خاضوها لإقصاء حاكم أو تغيير نظام خلف زعامة مؤثرة ترتبط بالناس وتعى مشاكلهم وتملك أدوات التأثير فيهم وتحريكهم وتمكينهم وتجميع قواهم لتصبح قوة ضاربة يعجز الحاكم عن مواجهتها ويخضع فى النهاية لإرادتها..وقد نكتشف أيضا أن هناك جينا له علاقة "بجبن المواجهة" للتغيير الذى هو نتيجة طبيعية يستلزمه التطوير إلى الأحسن فى أى مجال .. هؤلاء يفضلون أن يبقى الحال على ماهو عليه وأن يظلوا عبيدا لنظام أصبحوا جزءا منه وتحايلوا على رأس النظام بالتدليس والمداهنة لإقناعه أنهم أصلح من يقربهم إليه يساعدهم فى ذلك رغبة الحاكم فى أن يظل حاكما لرعية ليس لهم مطالب سوى منصب أو جاه أو ثروة تتوافر لديه من "تكويشه" على مقدرات رعيته وسلبه لثروات تصب فى خزائنه وخزائن من حوله.

وطبيعى أن يعتمد التطوير على مكونين أساسيين هما العلم الذى يشخص الحالة ويحلل الأوضاع ويصف السبيل إلى التطوير، والخبرة التراكمية العملية التى تساعد الباحث على دقة التشخيص ورؤية الواقع وكشف المستور عما يحاول من يقاومون التغيير إخفائه أو تجميله ومقاومته بشتى الطرق والوسائل .. ولا يصلح التطوير بطغيان واحد منهما على الآخر، فطغيان العلم يجعل التطوير كلاما نظريا غير قابل للتطبيق، وطغيان الواقع العملى على العلم يجعله "تفصيلا" لما هو موجود لإعطاء انطباع أن تغييرا يحدث بينما الحقيقة هى أننا "نقنن" الواقع لكى يستمر.. وطبيعى أن يكتشف مقاومو التغيير من اصنام التسليم بالأمر الواقع أنهم لكى يجهضوا أى مشروع للتطوير فإنهم لايحتاجون لأكثر من وصفه بأنه "نظرى أكاديمى" أو أنه "لايصلح هنا فى مصر" ويكونون سياجا حديديا حول من يملك اعتماد التغيير وتشجيعه حتى يسلم بوجهة نظرهم ويخضع لإرادتهم فى بقاء الحال على ماهو عليه ، وياحبذا لو كان هو نفسه يبحث عن حجة تعفيه من تهمة إعاقة التطوير وإجهاض التغيير الذى سوف يتناول أسلوبه فى الحكم ضمن عناصر التطوير الأخرى.

الذين يفعلون ذلك يصمون أنفسهم الجهل، فرفض العلم والإهتداء به فى العمل سمه الجهال وأنصاف المتعلمين والعامة ممن رضوا بواقعهم ولايرغبون فى تغييره ويبتعدون عن المشاركة فيه ويهربون من مسئولية وتبعات تلك المشاركة ويفضلون أن يتعرض غيرهم لمتاعب إحداث التغيير المطلوب ثم يجنون هم فى النهاية ثمار ذلك ويحتفظون لأنفسهم بحق الإعتراض على نتائجه فى أى وقت باعتبار أنهم لم يكونوا جزءا من عملية التطوير.. وهم أيضا بزعمهم المغرض يسمون المؤسسات التى ينتمون إليها بأنها عقيمة لاتملك الحد الأدنى من الموارد البشرية القادرة على تطوير نفسها وتطوير عمل المؤسسة ويحكمون عليها وعلى أنفسهم مقدما بالموت الطبيعى (يختلف عن اختراع الموت السريرى لرئيس يعد رمزا لجمود الفكر وعقم التفكير الذى أتحدث عنه) .. والذى يؤكد لى ذلك هو أنى فى مسيرة حياتى أكرمنى الله بالقدرة على تبسيط العلم وتقريبه إلى الأذهان وإخضاع العلم لمقتضيات الواقع وتغييره على قدر المتاح من الموارد ومخاطبة مستويات متعددة من الناس على قدر علمهم ومستوى تفكيرهم والتأثير فيهم للمشاركة وأحداث التغيير .. ولكن بلوى النخبة فى مصر أن تجلس فى غرف تناقش وتتشاور وتصرخ وتصدر بيانات وتفضل الزعامات التى تنتهج هذا الأسلوب فى القيادة عن الزعامات التى مارست العمل ومستعدة لإحداث التغيير وتطوير الأداء المؤسسى بما فى ذلك تنمية قدراتهم لمواجهة تحديات التغيير، ويظلون يفعلون ذلك إلى أن يفاجئوا بأن قطار الزمن تجاوزهم وتركهم على رصيف المحطة ينتظرون أى "قطار بضاعة" لايلتزم بمواعيد قيام أو وصول.

من أتحدث عنهم لايعرفون الفرق بين "إطارعمل" يوضح الخطوط العريضة لأى خطة تطوير والمراحل التى ينبغى أن تمر بها والإمكانات اللازمة لكى يحدث ذلك، وبين خطة التطوير بتفاصيل العناصر التى يشملها التغيير ومسببات ذلك ونتائجة وتحديد الأولويات وتوزيع الأدوار لمشاركة جماعية لمن يملكون "الإرادة" للعمل على تغيير الواقع وأهم من كل ذلك تحديد "بوصلة" تحدد الإتجاه..للأسف طغت جينات سلب القدرة وإرادة التغيير التى توارثناها جيلا بعد جيل من الجدود وحكومتهم المركزية البيروقراطية على جينات العلم والإستنارة وملاحقة التطور حيث كانت مصر لآلاف السنين منارة للعلم والتقدم يحج إليها أمم كثيرة لكى يتعلموا فنون التحديث والتطوير..تركنا للدنيا كلها تاريخا ناصحا سجلناه على جدران المعابد ينطق بإيمان الجدود بقيمة الإنسان وقدراته وتسجل لإنجازات فى حكم المعجزات وكيف يمكن تعظيم واستغلال تلك القدرات فى بناء أمة قوية بمؤسسات قوية تداوم على تطوير نفسها لكى تظل مرموقة ومحترمة وذات رسالة بدلا من أن تظل محلك سر تنتظر "قبلة الحياة" كل حين لكى تعطى مظهرا زائفا بالحياة والحيوية وهى فى الواقع ترقص فى هستيريا تستنفذ طاقتها وتمنعها من التحليق مع السرب وتهدر ماضيا وتاريخا ليتنا ماتوارثناه.

No comments: