Tuesday, September 25, 2012

حكايات الكبار ومشروع زويل العلمى


نشأت أحب جلسات الكبار والإستمتاع بحديثهم وحكاياتهم وحكمهم وفلسفتهم الخاصة فى تفسير كل مايدور حولهم وسخريتهم العبقرية وتعليقاتهم اللاذعة على مالايعجبهم .. وكبرت تلك الهواية معى فصرت أحسب العمر بالإنجاز وليس بعدد السنين، وصرت أهوى التعرف على العلماء ومجالسة من أستطيع منهم وأقرأ عن الآخرين، وصاحب ذلك شبه إدمان على أقتناء سير العظماء والناجحين وتتبع مسيرات نجاحهم والوقوف على سر تلك النجاحات وكيف تعلموا من الفشل وحولوه إلى قصص نجاح باهر بالعمل والمثابرة وتشخيص المشاكل بدقة والتغلب عليها .. المشكلة أنى حين صرت شيخا اصبحت أتوقع من الأجيال الأصغر أن يكونوا أكثر نهما للمعرفة وحب الإستطلاع واقتناعا بأن مصادر الخبرة العملية المتوفرة حولهم يمكن أن تكون منجما مجانيا يحوى حصاد السنين ويجود بها بلا مقابل سوى متعة المشاركة وقليل من الإعتزاز بالماضى .. أيقنت بعد حين أن ثورة تكنولوجيا المعلومات طبعت الجيل الجديد بالإندفاع وعدم الصبر والتسرع فى الحصول على معلومات كثيره فى لحظات قليلة لاتسمح بالتعمق ولا بالتدبر ولا التفكير المتأنى، وولكنى توقفت كثيرا عند بدايات ثورة 25 يناير التى بدأت على مواقع التواصل الإجتماعى وانتهت بالتحريض على أعظم ثورة فى تاريخ المنطقة وتجميع للطاقات فى قوة هائلة أطاحت بعروش أباطرة الفساد فى مصر وقلت لعل أبناؤنا الثوار لو تدبروا وفكروا وحللوا لما كان للثورة أن تحدث ولا للنظام الذى اقتلعته كالإعصار أن يرحل .. تغير الزمن إذن وأصبحت وغيرى من الشيوخ "أصول" فى مؤسسة الوطن يمتلك من يريد الإستفادة بها واستغلالها واستثمارها لو توافرت له الإرادة والرغبة فى التعلم.
صرت استثمر أى فرصة أتحدث فيها إلى الناس لكى "أعلن" تطوعا عن خبرة متراكمة أكتسبتها عبر رحلة الزمن وعن استعداد مخلص للمشاركة بها فى وطن كنت ولازلت مواطنا فاعلا مهموما بمشاكله ، واسعد كثيرا حين يزيد عدد من يهتمون بما أقول أو أفعل والذين أشترط لكى تستمر علاقة العلم والبحث والتجريب بيننا إلى وجود "رغبة وإرادة" حقيقية لديهم لكى أنقل إليهم ماتعلمته فى مشوار الحياة علما وتطبيقا، وتكتمل سعادتى حين يتواصل هؤلاء معى ليشركونى فى تجربة قاموا بها أو نشاط ساهموا فيه ونتائجه .. ليس مهما على الإطلاق أن ينجحوا فى كل مرة ولكن الأهم أن "يتعلموا" من النجاح والفشل مثلما تعلمنا وأن يوقنوا أنهم كلما حاولوا كلما زادوا علما وأن من لايعمل لايخطئ وأن ألم الفشل هو الثمن الذى لابد لهم أن يدفعوه لكى تستمر مسيرة الحياة بخيرها وشرها .. وأحزن كثيرا كلما استسلم البعض وتغلب عليهم اليأس والإحباط فتوقفوا عن شحن بطارياتهم "وركنوا على جنب" متخلفين عن ركب الحياة تاركين للآخرين أن يهمشوهم ويسيروا حياتهم ويقرروا مستقبلهم دون أن يكون لرأيهم أهمية أولأصواتهم واعتراضاتهم تأثير.
إن من يذق طعم النجاح لابد وأن يتمناه لنفسه وللآخرين، وتقل لديه شهوة التصارع على الإنفراد بسلطة أو منصب أو جاه ، ويحس بالدفء بين ناجحين مثله، ويسعى لزيادة أعدادهم باعتبارهم فصيلا مميزا يجسد الأمل فى مستقبل أفضل لنفسه ولبلده .. لذلك يحزننى كثيرا أن البعض منا لايطيق نجاح الآخرين ويستحضر طاقاته فى محاربتهم وتشويه صورتهم وإظهارهم بمظهر الفاشلين ويتمادى فى ذلك فتتجاوز كراهيته لهم حدود الوطن، تحركهم نظرة ضيقه لمصالح شخصية ومزايا يحصلون عليها فتعميهم عن مصلحة عليا تعود على الوطن كله فى نهضة حقيقية يمكن أن يصبحوا جزءا منها بالمشاركة الجادة وباقتراح الحلول وليس باختلاق المشاكل وتضخيمها مثلما يحدث حاليا لمشروع زويل والذى لو استوعب من يحركون الطلاب المساكين وأهليهم لكى يعطلوا مشروعا تفخر أى دولة فى العالم باستضافته لو قرر صاحب المشروع أن يبدأه فى أى مكان فى العالم .. وحتى لو كانت جامعة النيل بأساتذتها وطلابها أصحاب حق فى المبنى المتنازع عليه فما نوع الضرر الذى يقع عليهم لكى يصبحوا جزءا من مشروع النهضة العلمية التى تنقل مصر من تخلفها وفقرها وجهلها، ولماذا الإصرار على "الإنفصال والإستقلال التام أو الموت الزؤام" والتطاول على قامة علمية عالمية كزويل الذى لايحتاج لمجد جديد يحققه سوى فضل الريادة والسبق والقدوة والمثل فى العطاء لوطن يحمل له كل الولاء والحب ويعترف فى كل مناسبة بفضل أساتذته الأوائل الذين تعلم على يديهم قبل أن تبدأ رحلته للمجد العلمى الذى حققه باكتساح.
الفرق الجوهرى بيننا وبين الدول التى تقدمت بفضل العلم والأخلاق والإلتزام بالسلوك الإجتماعى النبيل الذى يميز الإنسان عن الحيوان أنهم هناك يفرحون بكل نجاح ويكرمون اصحاب المواهب والعلماء  ويحيطونهم بالرعاية ويوفرون لهم سبل الإستمرار فى تحقيق المزيد من النجاح ويستفيدون بخبرتهم وعلمهم ويستثمرونها، أما عندنا فإننا للأسف "نترصد" للناجحين ونخطط لإفشالهم ونضع العراقيل فى طريقهم ونرى فى سطوع مواهبهم إظلام لصورتنا التى رسمناها لأنفسنا ولانستريح حتى يصبحوا طيورا مهاجرة يرحلوا بعيدا عنا إلى أرض ترعى مواهبهم وتحتضن طموحهم ، ولانكتفى بذلك بل  ننشر "خيالات المآته" فى كل مكان لطردهم إذا فكروا فى العودة حتى لايهددوا أمننا واطمئناننا إلى ماوصلنا إليه ولكى يظل الحال على ماهو عليه .. أمراض إجتماعية تحتاج لثورة فى التعليم والثقافة العامة للمجتمع قبل أن نبدأ فى أى مشروع قومى بحجم مشروع زويل العلمى أو مشروع ممر التنمية لفاروق الباز.

No comments: